بث تجريبي

الغاز الروسي والمغرب... هل تعيد الطاقة رسم خريطة التحالفات في شمال أفريقيا؟

تقدير موقف - شبكة الاستشراف

لا يمكن النظر إلى التصريحات التي أدلى بها السفير الروسي في الرباط، إيغور بيليايف، بشأن آفاق التعاون مع المغرب في مجال الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الأخضر، باعتبارها مجرد إعلان عن فرص استثمارية جديدة، بل تعكس مؤشرات على تحولات أعمق في الاستراتيجية الروسية تجاه شمال أفريقيا، وفي المقابل، تعكس أيضًا توجهًا مغربيًا متزايدًا لتنويع شراكاته الطاقوية بعيدًا عن منطق الاصطفافات التقليدية.

فبينما تواصل الحرب في أوكرانيا إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية، وتحاول أوروبا تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، تبدو موسكو في سباق لإعادة توجيه صادراتها وشراكاتها نحو أسواق وممرات جديدة. وفي هذا السياق، يبرز المغرب بوصفه شريكًا يتمتع بموقع جغرافي استثنائي، وطموح متزايد للتحول إلى منصة إقليمية للطاقة، سواء في مجال الغاز الطبيعي المسال أو الهيدروجين الأخضر.

موسكو تبحث عن منافذ جديدة

منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، تعرض قطاع الطاقة الروسي لعقوبات وضغوط غير مسبوقة، دفعت موسكو إلى إعادة صياغة استراتيجيتها التصديرية. ولم يعد الهدف مقتصرًا على إيجاد مشترين جدد للغاز الروسي، بل امتد إلى بناء شراكات طويلة الأجل مع دول تمتلك بنية تحتية قادرة على إعادة تصدير الطاقة أو تحويلها إلى الأسواق الإقليمية.

ومن هنا تكتسب تصريحات السفير الروسي أهميتها، إذ أشار بوضوح إلى أن مشاريع المغرب لإنشاء محطات استقبال وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال تفتح الباب أمام الموردين الروس لدخول السوق المغربية، وربما استخدامها كنقطة انطلاق نحو أسواق أخرى.

وبذلك، فإن موسكو لا تنظر إلى المغرب باعتباره مجرد مستورد للغاز، وإنما باعتباره شريكًا في سلسلة القيمة الخاصة بتجارة الطاقة.

المغرب... مركز إقليمي للطاقة

على الجانب المغربي، لا يأتي هذا الانفتاح على روسيا بمعزل عن الاستراتيجية الوطنية التي تسعى إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للطاقة يربط أفريقيا بأوروبا.

فالمغرب يعمل منذ سنوات على تنويع مصادر الطاقة، وتطوير موانئه ومنشآته الخاصة بالغاز الطبيعي المسال، بالتوازي مع مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري–المغربي، ومشروعات الربط الكهربائي مع أوروبا، والتوسع في إنتاج الطاقة المتجددة.

ومن هذا المنظور، فإن استقبال الغاز الروسي لا يعني بالضرورة تحولًا في التحالفات السياسية، بقدر ما يعكس سياسة براغماتية تقوم على تنويع الشركاء الاقتصاديين وتعظيم العائد من الموقع الجغرافي للمملكة.

الهيدروجين الأخضر... الاستثمار في المستقبل

اللافت في تصريحات السفير الروسي أنه لم يقتصر على الحديث عن الغاز الطبيعي، بل أشار أيضًا إلى استعداد الشركات الروسية للمشاركة في مشاريع الهيدروجين الأخضر بالمغرب.

وهذا البعد يحمل أهمية استراتيجية، لأن الهيدروجين الأخضر يمثل أحد أهم أسواق الطاقة المستقبلية، خاصة في ظل التوجه الأوروبي نحو إزالة الكربون وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وإذا نجحت الشركات الروسية في دخول هذا القطاع داخل المغرب، فإن ذلك سيعني أن التعاون بين البلدين لن يقتصر على تجارة الطاقة التقليدية، بل سيمتد إلى اقتصاد الطاقة الجديد، الذي يتوقع أن يشكل أحد أهم محركات الاستثمار خلال العقود المقبلة.

بين موسكو والغرب... سياسة التوازن

يفرض هذا التقارب تساؤلات حول انعكاساته على علاقات المغرب مع شركائه الغربيين، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لكن التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن الرباط تتبنى سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات، وليس استبدال شريك بآخر. فقد عززت المملكة تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، ووسعت شراكاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات تعاون مع الصين وروسيا ودول الخليج.

وبالتالي، فإن الانفتاح على موسكو في قطاع الطاقة لا يعني بالضرورة تغييرًا في التوجه الاستراتيجي للمغرب، وإنما يعكس مقاربة تقوم على الفصل بين المصالح الاقتصادية والاصطفافات السياسية، ما دام ذلك لا يتعارض مع التزامات المملكة الدولية.

أبعاد إقليمية

يحمل هذا التطور أيضًا أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية.

فالجزائر، التي تعد أحد أكبر موردي الغاز إلى أوروبا، بنت جانبًا مهمًا من نفوذها الإقليمي على موقعها في سوق الطاقة الأوروبية. وفي المقابل، يعمل المغرب على تطوير بدائل استراتيجية، تشمل استيراد الغاز الطبيعي المسال، وإنشاء محطات لإعادة التغويز، وتطوير خط الغاز مع نيجيريا، والاستثمار في الطاقات المتجددة.

ومن ثم، فإن أي توسع في التعاون الطاقوي بين المغرب وروسيا قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى المنافسة الإقليمية على النفوذ في أسواق الطاقة، خاصة إذا نجح المغرب في ترسيخ موقعه كمحور لنقل وتوزيع الطاقة بين أفريقيا وأوروبا.

مستقبل التعاون

لا تزال تصريحات السفير الروسي تمثل إعلانًا عن فرص تعاون أكثر منها اتفاقات تنفيذية، إذ لم تُعلن حتى الآن مشروعات محددة أو عقود ملزمة بين الطرفين. غير أن توقيت هذه التصريحات، في ظل التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، يمنحها دلالة سياسية واستراتيجية تتجاوز بعدها الاقتصادي.

فالطاقة أصبحت إحدى أهم أدوات النفوذ في النظام الدولي، والدول التي تنجح في بناء شبكات متنوعة للإنتاج والنقل والتصدير ستكون أكثر قدرة على المناورة في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب يسعى إلى توظيف موقعه الجغرافي واستثماراته في البنية التحتية لتعزيز مكانته كمركز إقليمي للطاقة، بينما تحاول روسيا فتح نوافذ جديدة لتعويض خسائرها في الأسواق الأوروبية. وإذا نجح الطرفان في ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع عملية، فقد يتحول التعاون في قطاع الغاز والهيدروجين إلى أحد أبرز محاور العلاقات المغربية–الروسية خلال السنوات المقبلة، بما يحمله ذلك من انعكاسات على موازين الطاقة والسياسة في شمال أفريقيا وحوض البحر المتوسط.