هل تدخل الأزمة اللبنانية - الإسرائيلية مرحلة الحسم؟
تدخل الأزمة اللبنانية - الإسرائيلية منعطفاً جديداً مع اقتراب انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات غير المباشرة في العاصمة الإيطالية روما في الرابع من أغسطس (آب)، وسط مشهد يتسم بتداخل الضغوط العسكرية مع الرسائل السياسية. ففي الوقت الذي تستعد فيه الأطراف لاستئناف المسار التفاوضي، اختارت إسرائيل رفع مستوى التصعيد الميداني في جنوب لبنان عبر سلسلة تفجيرات هي الأكبر منذ أشهر، في خطوة تبدو وكأنها تحمل رسائل تتجاوز بعدها العسكري إلى محاولة التأثير في البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات.
ويعكس هذا التزامن بين التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي طبيعة المرحلة الحالية، التي لم تعد فيها العمليات الميدانية منفصلة عن مسار التفاوض، بل أصبحت إحدى أدواته. فمن الواضح أن إسرائيل تسعى إلى تعزيز موقعها التفاوضي عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، فيما تحاول الدولة اللبنانية تثبيت معادلة مختلفة تقوم على إظهار قدرتها، عبر مؤسساتها الشرعية، على تنفيذ التزاماتها الأمنية دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف الرئيس اللبناني جوزيف عون أهمية خاصة، إذ جاء تأكيده، في ذكرى شهداء الجيش اللبناني، على أن المؤسسة العسكرية تمثل الضامن لسيادة الدولة ووحدة أراضيها، ليعكس تمسك الرئاسة بخيار تعزيز دور الجيش باعتباره الطرف الشرعي المكلف بتنفيذ اتفاق الإطار، وليس أي قوة أخرى. ويحمل هذا الخطاب رسالة مزدوجة؛ داخلياً تؤكد احتكار الدولة للمسؤولية الأمنية، وخارجياً تؤكد استعداد لبنان للوفاء بالتزاماته عبر مؤسساته الرسمية.
غير أن الرسالة اللبنانية جاءت في مواجهة تصعيد إسرائيلي غير مسبوق، تمثل في تنفيذ تفجيرات واسعة النطاق استهدفت محيط قلعة الشقيف وعدداً من البلدات الجنوبية، تحت عنوان تدمير بنى تحتية وأنفاق تابعة لـ«حزب الله». إلا أن حجم العملية، التي تشير التقديرات إلى استخدام نحو 700 طن من المتفجرات فيها، وما أحدثته من ارتدادات شعر بها سكان مناطق واسعة من لبنان، منحها بعداً يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، لتتحول إلى استعراض للقوة ورسالة ردع موجهة إلى أكثر من طرف.
ولعل اللافت أن هذه العملية لم تقتصر تداعياتها على البعد الأمني، بل فتحت باباً جديداً للنقاش حول استهداف الموروث الثقافي والإنساني، بعدما طالت محيط قلعة الشقيف التاريخية، الأمر الذي دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى وصف ما جرى بأنه اعتداء لا يهدد الإنسان فحسب، بل يطال التراث والحضارة أيضاً، محذراً من خطورة الصمت الدولي إزاء ما يجري.
وفي المقابل، يبرز الحضور الأمريكي باعتباره أحد أهم عناصر المشهد السياسي الحالي. فلقاء قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل بالسفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، قبل أيام قليلة من استئناف مفاوضات روما، لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل حمل دلالات واضحة على استمرار واشنطن في الاستثمار بالمؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب. كما أن تأكيد السفير الأمريكي أهمية دور الجيش ضمن الآلية التنفيذية لاتفاق الإطار يعكس رغبة أمريكية في تعزيز دور الدولة اللبنانية، بما ينسجم مع الرؤية الدولية القائمة على حصر المسؤولية الأمنية بالمؤسسات الرسمية.
ومن زاوية أخرى، تبدو الحكومة اللبنانية حريصة على استثمار هذا المناخ السياسي في إطلاق مسار موازٍ يعيد ربط الملف الأمني بملف إعادة الإعمار والتعافي. فقد جاءت مبادرة رئيس الحكومة نواف سلام بإطلاق المرحلة الأولى من خطة العودة والتعافي في الجنوب لتؤكد أن تثبيت الاستقرار لا يقتصر على الإجراءات العسكرية، بل يتطلب أيضاً إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة، عبر إزالة الأنقاض، وإعادة فتح الطرق، واستعادة الخدمات الأساسية، وتأمين المساكن المؤقتة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بما يسمح بعودة الأهالي إلى قراهم بصورة آمنة وكريمة.
ويكشف هذا التوجه عن إدراك رسمي بأن نجاح أي ترتيبات أمنية سيظل هشاً إذا لم يترافق مع معالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب، وهو ما يفسر التركيز على مشاريع الربط بين القرى الجنوبية، وفي مقدمتها إعادة إنشاء الجسر الرابط بين قعقعية الجسر وفرون، باعتباره جزءاً من إعادة وصل المجتمع المحلي، وليس مجرد مشروع بنية تحتية.
في المحصلة، تبدو الجولة السابعة من مفاوضات روما أكثر من مجرد محطة تفاوضية جديدة، إذ تأتي في ظل اختبار متزامن لقدرة الأطراف على الفصل بين التصعيد العسكري والمسار السياسي. فإسرائيل تحاول الدخول إلى المفاوضات من موقع القوة عبر تكثيف الضغط الميداني، فيما يسعى لبنان إلى تقديم نموذج مختلف يقوم على تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية، مدعوماً بإسناد أمريكي واضح للمؤسسة العسكرية، وبمحاولة حكومية لربط الأمن بالتعافي وإعادة الإعمار.
ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح هذا التوازن الدقيق في تحويل جولة روما إلى نقطة انطلاق نحو تثبيت اتفاق الإطار، أم أن التصعيد الميداني سيبقى الأداة المفضلة لفرض الشروط قبل أي تسوية سياسية؟ الإجابة لن تحدد فقط مستقبل الجنوب اللبناني، بل قد ترسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة في العلاقة اللبنانية - الإسرائيلية، بين خيار تثبيت الاستقرار أو العودة إلى دائرة التصعيد.
