الوساطة الروسية بين تسوية الملف النووي ومقايضة المصالح في أوكرانيا
تكشف عودة الكرملين إلى طرح نفسه وسيطًا محتملًا بين الولايات المتحدة وإيران عن تحوّل مهم في طبيعة الدور الروسي في الشرق الأوسط، وعن سعي موسكو إلى توظيف علاقاتها المتنامية بطهران في إدارة تفاوض أوسع مع واشنطن، تتداخل فيه الملفات النووية والعسكرية والإقليمية مع الحرب في أوكرانيا ومستقبل العلاقات الروسية الأميركية. فالمسألة لا تتعلق بمجرد استعداد روسي للمساعدة في التوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي الإيراني، وإنما تتصل أيضًا بقدرة روسيا على تحويل نفوذها السياسي والعسكري والتقني لدى إيران إلى ورقة تفاوضية تمنحها مكاسب في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا.
وقد اكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في أعقاب زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران في أكتوبر 2026، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على عمق التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين، وتتداخل فيه حسابات موسكو الاستراتيجية مع مساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأميركية. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة أساسية: فروسيا التي تسعى إلى إقناع واشنطن بقدرتها على التأثير في السلوك الإيراني، هي نفسها التي تعزز بعض القدرات العسكرية والاستخباراتية لطهران، بما قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على احتواء التهديدات التي تنطلق من إيران أو ترتبط بها.
ومن ثم، فإن فهم حقيقة الدور الروسي المحتمل يتطلب تجاوز التصريحات الدبلوماسية المتعلقة بالوساطة النووية، والنظر إلى طبيعة العلاقات الروسية الإيرانية، وحدود التوافق بين الطرفين، والكيفية التي يمكن أن تتحول بها هذه العلاقة إلى أداة للمساومة الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن.
الوساطة الروسية وإعادة توظيف الملف الإيراني في التفاوض مع واشنطن
لا يمكن فصل عودة موسكو إلى طرح الوساطة بين واشنطن وطهران عن سياق علاقاتها المتوترة والمتغيرة مع الولايات المتحدة. فروسيا تسعى، منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، إلى منع تحول المواجهة مع الغرب إلى حالة استنزاف استراتيجي مفتوحة، كما تحاول استثمار أي فرصة لإعادة فتح قنوات التفاوض مع واشنطن بشأن العقوبات، والأمن الأوروبي، ومستقبل التسوية في أوكرانيا.
وفي هذا الإطار، يمثل الملف الإيراني مجالًا محتملًا لتقاطع المصالح الروسية الأميركية، رغم التباين الواسع بين الطرفين في قضايا أخرى. فالولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والحد من قدراتها على تهديد القوات والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، بينما ترغب موسكو في الحفاظ على علاقاتها بطهران، ومنع انهيار الدولة الإيرانية أو تحولها إلى ساحة نفوذ غربي خالص.
ولا يعني هذا التقاطع أن روسيا والولايات المتحدة تتبنيان الأهداف نفسها تجاه إيران، وإنما يعني أن لكل منهما مصلحة في منع بعض السيناريوهات الأكثر خطورة، ولا سيما الانتقال إلى مواجهة إقليمية واسعة أو انهيار المسار الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني.
غير أن القيمة الحقيقية للوساطة الروسية تتجاوز هذا الجانب. فموسكو تستطيع نظريًا أن تقدم نفسها لواشنطن باعتبارها طرفًا يمتلك قنوات اتصال مؤثرة مع القيادة الإيرانية، ويمكنه المساهمة في تهيئة الظروف لتسوية محددة. وفي المقابل، قد تسعى إلى الحصول على تنازلات أميركية في ملفات أخرى، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة عليها.
وهنا تبرز فكرة المقايضة الاستراتيجية، أي توظيف التقدم في ملف معين لتحقيق مكاسب في ملف آخر. فبدلًا من التعامل مع البرنامج النووي الإيراني والحرب الأوكرانية بوصفهما مسارين منفصلين تمامًا، قد ترى موسكو أن قدرتها على التأثير في أحدهما تمنحها مساحة أوسع للمساومة في الآخر.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين وجود مصلحة روسية محتملة في الربط بين الملفين وبين ثبوت وجود اتفاق فعلي على هذه المقايضة. فالتزامن بين التحركات الدبلوماسية لا يكفي وحده لإثبات أن موسكو عرضت بالفعل تخفيض دعمها لإيران مقابل تنازلات أميركية بشأن أوكرانيا. والأدق أن يُنظر إلى هذا الاحتمال باعتباره أحد السيناريوهات التي قد تحكم حسابات الكرملين، لا باعتباره صفقة مكتملة أو تفاهمًا مؤكدًا.
مخزون اليورانيوم المخصب وحدود الحلول التقنية
يأتي اقتراح نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية في مقدمة الأفكار التي يمكن أن تستند إليها الوساطة الروسية. ويستند هذا الطرح إلى تجربة الاتفاق النووي المبرم عام 2015، الذي شاركت فيه روسيا ضمن مجموعة الدول المعنية بالتفاوض مع إيران، وأسهمت موسكو في إطار تنفيذه في ترتيبات تتعلق بالمواد النووية الإيرانية.
ومن الناحية السياسية، يمكن لمثل هذا الترتيب، إذا توافرت شروطه، أن يوفر مخرجًا تفاوضيًا يتيح للولايات المتحدة تقديم الاتفاق باعتباره خطوة ملموسة نحو تقليص المخاطر النووية، في حين تستطيع إيران الاستفادة منه لتخفيف الضغوط الخارجية أو الحصول على مقابل سياسي واقتصادي.
كما أن مشاركة روسيا في أي ترتيب من هذا النوع قد تمنحها دورًا مباشرًا في تنفيذ الاتفاق ومراقبة بعض جوانبه، بما يعزز مكانتها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية نووية مستدامة.
لكن اختزال المشكلة النووية الإيرانية في مسألة نقل المخزون المخصب ينطوي على تبسيط مخل. فالتسوية لا تتعلق بمكان وجود المواد النووية فحسب، بل تشمل أيضًا مستويات التخصيب، والقدرات التقنية الإيرانية، وأجهزة الطرد المركزي، والرقابة الدولية، والضمانات المتعلقة بالاستخدام السلمي للبرنامج النووي، وآليات التحقق من الالتزام بالاتفاق.
والأهم أن نجاح أي ترتيب يتوقف على موافقة إيران نفسها، وعلى قدرتها على إقناع مؤسساتها السياسية والأمنية بأن التنازل عن جزء من أوراقها النووية لن يتحول إلى خطوة أحادية لا تقابلها ضمانات واضحة.
وقد ظهرت هذه المعضلة بوضوح عقب زيارة لافروف إلى طهران؛ إذ أفادت تقارير منشورة في 20 أكتوبر 2026 بأن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، نفى أن تكون مسألة نقل المواد النووية الإيرانية إلى روسيا قد نوقشت خلال الزيارة. ويؤكد ذلك ضرورة التمييز بين الأفكار المتداولة بشأن الوساطة الروسية وبين ما يمكن إثبات أنه طُرح رسميًا على طاولة المفاوضات. (APA، 20 أكتوبر 2026).
وبالتالي، فإن نقل اليورانيوم المخصب، حتى لو عاد إلى دائرة التفاوض، لا يمثل حلًا قائمًا بذاته، بل قد يكون عنصرًا ضمن تسوية أشمل تتطلب تفاهمًا بشأن الضمانات والرقابة والعقوبات والأمن الإقليمي.
التعاون العسكري والاستخباراتي وتحول العلاقة الروسية الإيرانية
إذا كانت الوساطة النووية تمثل الجانب الدبلوماسي الأكثر وضوحًا في العلاقة الروسية الإيرانية، فإن التعاون العسكري والاستخباراتي يشكل أحد أعمق أبعادها الاستراتيجية. فقد أسهمت الحرب في أوكرانيا في تسريع التقارب بين البلدين، بعدما وجدت موسكو نفسها بحاجة إلى أسلحة منخفضة التكلفة يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة، في حين سعت طهران إلى توسيع قدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة وتعزيز مكانتها في مواجهة الضغوط الغربية.
في المراحل الأولى من الحرب الأوكرانية، اعتمدت روسيا على الطائرات الإيرانية المسيّرة من طراز «شاهد»، أو على التكنولوجيا المرتبطة بها، في حملتها العسكرية ضد أوكرانيا. ولم يقتصر أثر هذا التعاون على تلبية احتياجات ميدانية عاجلة، بل أسهم في تطوير علاقة تبادلية تتجاوز التوريد المباشر للأسلحة إلى تبادل الخبرات والتكنولوجيا والدروس المستخلصة من العمليات العسكرية.
ومع امتداد الحرب، ازدادت أهمية الخبرة الروسية في مجالات الاستطلاع الفضائي والحرب الإلكترونية وتحليل البيانات وتوجيه الأسلحة. وفي المقابل، اكتسبت روسيا خبرات إضافية في تشغيل الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وإنتاجها على نطاق واسع، وهي قدرات أصبحت جزءًا أساسيًا من طبيعة الحروب الحديثة.
وقد أشارت تقارير غربية وأوكرانية خلال عام 2026 إلى توسع التعاون الروسي الإيراني في مجال المعلومات الاستخباراتية. ففي مارس من ذلك العام، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أميركيين مطلعين على معلومات استخباراتية أن روسيا زودت إيران بمعلومات عن مواقع أصول عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك السفن والطائرات. كما نشرت وكالة رويترز في أبريل تقريرًا استند إلى تقييم استخباراتي أوكراني بشأن قيام أقمار صناعية روسية بمسح مواقع عسكرية ومنشآت حيوية في المنطقة، مع اتهامات بوجود تبادل للمعلومات مع إيران. وتظل التفاصيل المتعلقة بنطاق هذا التعاون وأهدافه الدقيقة خاضعة لحدود المعلومات المتاحة علنًا. (The Washington Post، 6 مارس 2026؛ Reuters، 7 أبريل 2026).
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من أن التفوق العسكري لا يتحدد بعدد الصواريخ والطائرات فحسب، وإنما بقدرة الدولة على جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى قرارات عملياتية دقيقة. فصور الأقمار الصناعية، ومعلومات التحركات العسكرية، وبيانات الحرب الإلكترونية، يمكن أن تقلص الوقت اللازم لاكتشاف الأهداف وتحديد مواقعها وتقييم نتائج الضربات.
وبذلك، فإن التعاون الروسي الإيراني قد يتجاوز تبادل الأسلحة إلى بناء قدرات متكاملة نسبيًا في مجالات الاستطلاع والتوجيه والتشويش وإدارة العمليات. وهذه النقلة ترفع القيمة الاستراتيجية للعلاقة، لأنها تجعل التعاون أكثر رسوخًا من مجرد صفقات توريد يمكن إيقافها بقرار سياسي منفرد.
لكن ينبغي عدم المبالغة في وصف هذه العلاقة بأنها تحالف عسكري متكامل؛ إذ إن الأدلة على التعاون الوثيق لا تعني بالضرورة وجود قيادة عسكرية مشتركة أو التزام روسي بالدخول في مواجهة مباشرة دفاعًا عن إيران. فالتعاون في مجالات محددة، مهما بلغت أهميته، يظل مختلفًا عن التحالف الذي يفرض التزامات أمنية متبادلة واضحة.
هل أصبحت إيران ورقة روسية في مواجهة الولايات المتحدة؟
تتصل أهمية العلاقة الروسية الإيرانية بقدرة موسكو على تحويلها من مصدر للتعاون العسكري والتقني إلى أداة ضغط في التفاوض مع واشنطن. فروسيا لا تحتاج بالضرورة إلى قطع علاقاتها بطهران كي تستفيد من الوساطة، كما لا يلزمها أن تتخلى عن التعاون العسكري معها بصورة كاملة حتى تقدم نفسها طرفًا قادرًا على تخفيض بعض مستويات التصعيد.
وقد تتمثل الورقة الروسية في قدرتها على التأثير في بعض خيارات إيران، أو توفير قنوات اتصال تتيح نقل الرسائل، أو تسهيل ترتيبات محددة بشأن البرنامج النووي، أو ممارسة ضغوط على طهران للقبول بتفاهمات جزئية. لكن حجم هذا التأثير يظل مسألة مستقلة عن رغبة موسكو في ممارسته.
فإيران ليست دولة تابعة لروسيا، ولا تتعامل مع سياستها الخارجية بوصفها امتدادًا للسياسة الروسية. وتمتلك القيادة الإيرانية حساباتها الخاصة بشأن الأمن القومي والردع والعقوبات والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وقد تتعارض هذه الحسابات مع المصالح الروسية في بعض اللحظات.
كما أن موسكو لا تملك بالضرورة مصلحة في استخدام كامل نفوذها على طهران لمصلحة واشنطن. فإذا قدمت روسيا تنازلات كبيرة في الملف الإيراني من دون الحصول على مقابل ملموس، فقد تخسر جزءًا من نفوذها الإقليمي، وتضعف علاقتها بشريك ساعدها في تجاوز بعض احتياجاتها العسكرية خلال الحرب الأوكرانية.
ومن هنا، يمكن أن تنشأ معادلة معقدة: تسعى موسكو إلى إظهار قدرتها على التأثير في طهران من أجل رفع قيمتها التفاوضية أمام واشنطن، لكنها لا تريد أن يؤدي نجاح الوساطة إلى إضعاف إيران بصورة تضر بالمصالح الروسية في الشرق الأوسط.
ويعني ذلك أن الكرملين قد يفضل إدارة العلاقة مع طهران بطريقة تحفظ له هامشًا من التأثير في مستوى التصعيد الإقليمي، بدلًا من السعي إلى إنهاء مصادر التوتر بصورة نهائية. فوجود قنوات نفوذ قابلة للاستخدام قد يكون، في الحسابات الروسية، أكثر فائدة من التخلي الكامل عن أدوات الضغط التي توفرها العلاقة.
غير أن هذا الاحتمال لا يثبت أن موسكو تتعمد إدامة التوتر أو أن جميع تحركاتها تخضع لخطة واحدة. فالسياسة الروسية تتأثر أيضًا بالقيود العسكرية والاقتصادية، وبالحاجة إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وبطبيعة التفاعلات الإقليمية التي لا تستطيع موسكو التحكم فيها بصورة كاملة.
حدود الشراكة الروسية الإيرانية ومشكلة انعدام الثقة
على الرغم من التطور الملحوظ في العلاقات بين موسكو وطهران، فإن هذه العلاقة لا تستند إلى تطابق كامل في المصالح أو الرؤى الاستراتيجية. فروسيا قوة كبرى تسعى إلى إعادة تثبيت موقعها في النظام الدولي، وتتعامل مع الشرق الأوسط ضمن حسابات أوسع تتصل بأوروبا والصين والولايات المتحدة وتوازنات النظام العالمي. أما إيران، فتتمحور أولوياتها بصورة أكبر حول أمنها الإقليمي، والردع، ومواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وتوسيع مجال نفوذها في محيطها المباشر.
وقد تتقاطع مصالح الطرفين في مواجهة الضغوط الغربية، وفي تطوير التعاون العسكري والتقني، وفي الحد من قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة. لكن هذا التقاطع لا يلغي اختلاف الأولويات أو احتمال التنافس على النفوذ في بعض الملفات.
وتبرز مشكلة الثقة بوصفها أحد القيود الأساسية على العلاقة. فإيران تدرك أن روسيا قد تفضل التوصل إلى تفاهم مع الغرب إذا رأت أن المقابل السياسي أو الاقتصادي يستحق ذلك، بينما تدرك موسكو أن طهران قد تتخذ قرارات إقليمية أو عسكرية لا تتفق مع حساباتها، ولا سيما إذا اعتقدت القيادة الإيرانية أن أمنها القومي يفرض عليها التصعيد.
ولا يقتصر انعدام الثقة على الجانب الإيراني. فموسكو بدورها لا تستطيع افتراض أن طهران ستقبل بتنازلات استراتيجية لمجرد أن روسيا ترى فيها مخرجًا دبلوماسيًا مناسبًا. وقد يؤدي أي اتفاق روسي أميركي لا يراعي المصالح الإيرانية إلى إضعاف الثقة بين الطرفين، كما أن رفض إيران لمقترحات الوساطة قد يحد من قدرة موسكو على تسويق نفسها باعتبارها وسيطًا فعالًا.
ويضاف إلى ذلك عامل الموارد. فروسيا، رغم امتلاكها قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، تخوض حربًا طويلة في أوكرانيا تستنزف جانبًا مهمًا من مواردها واهتمامها الاستراتيجي. ولذلك، فإن قدرتها على تقديم ضمانات أمنية واسعة لإيران أو التدخل لضبط سلوكها الإقليمي تظل محدودة مقارنة بما قد توحي به الخطابات السياسية.
وعليه، فإن وصف العلاقة بأنها تحالف استراتيجي لا ينبغي أن يحجب طبيعتها المركبة: إنها شراكة مهمة في مجالات محددة، لكنها لا ترقى بالضرورة إلى تحالف متكامل تتطابق فيه المصالح وتتوحد فيه القرارات.
المعضلة الأميركية بين الاستفادة من الوساطة ومواجهة التعاون العسكري الروسي الإيراني
من منظور واشنطن، تطرح التحركات الروسية معضلة تتجاوز البرنامج النووي الإيراني. فمن جهة، قد يمثل الدور الروسي قناة إضافية للتفاوض مع طهران، خصوصًا إذا تعثرت الاتصالات المباشرة أو احتاجت الأطراف إلى ترتيبات تقنية تتعلق بالمواد النووية والرقابة والضمانات. ومن جهة أخرى، فإن تعاظم التعاون العسكري والاستخباراتي بين موسكو وطهران قد يزيد المخاطر التي تواجه القوات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وتكمن المفارقة في أن روسيا قد تعرض المساعدة في تقليص مخاطر معينة مرتبطة بإيران، بينما تُتهم في الوقت نفسه بتقديم دعم استخباراتي وتقني يمكن أن يعزز بعض القدرات الإيرانية. وهذا التناقض يفرض على واشنطن التمييز بين الوساطة بوصفها مسارًا دبلوماسيًا، والتعاون العسكري بوصفه مسارًا استراتيجيًا مستقلًا نسبيًا.
فلا يكفي أن تتعهد موسكو بالمساعدة في معالجة الملف النووي حتى تتراجع المخاوف الأميركية بشأن تبادل المعلومات العسكرية أو تطوير تقنيات الطائرات المسيّرة. وبالمثل، فإن وقف بعض أشكال التعاون الاستخباراتي، إذا حدث، لن يحل تلقائيًا الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي أو الصواريخ أو النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن ثم، فإن أي تفاهم أميركي روسي واسع يحتاج إلى تحديد واضح لما يمكن أن تقدمه موسكو، وما تستطيع تنفيذه بالفعل، وما المقابل الذي تطلبه من واشنطن. كما يحتاج إلى آليات للتحقق من الالتزامات، حتى لا تتحول الوساطة إلى مجرد أداة لتخفيف الضغوط عن روسيا من دون تغيير ملموس في سلوكها.
أما إذا تعاملت واشنطن مع الملف الإيراني باعتباره ورقة يمكن مبادلتها بتنازلات روسية في أوكرانيا، فإنها ستواجه خطر إغفال المصالح الأمنية لدول المنطقة، أو تقديم تنازلات لا تعالج جذور التوتر. وفي المقابل، فإن رفض أي دور روسي بصورة مسبقة قد يحرم المسار الدبلوماسي من قناة يمكن الاستفادة منها في ظروف معينة.
وتكمن المسألة الأساسية، إذن، في تقييم الدور الروسي على أساس النتائج القابلة للتحقق، لا على أساس الوعود أو الافتراضات المتعلقة بقدرة الكرملين على التحكم في خيارات طهران.
الوساطة الروسية بين النفوذ الحقيقي والمساومة الاستراتيجية
تكشف التحركات الروسية بشأن إيران عن أن موسكو لا تسعى إلى أداء دور الوسيط النووي فحسب، بل تحاول أيضًا استثمار موقعها في العلاقة مع طهران لتعزيز مكانتها في أي تفاوض أوسع مع الولايات المتحدة. غير أن القدرة على تقديم الوساطة لا تعني بالضرورة القدرة على فرض التسوية، كما أن امتلاك أدوات للتأثير لا يساوي التحكم في قرارات الطرف الآخر.
لقد أسهمت الحرب الأوكرانية في تعميق التعاون الروسي الإيراني، ونقلت العلاقة إلى مستويات أكثر أهمية في المجالات العسكرية والتقنية والاستخباراتية. لكن هذا التطور لم يلغِ اختلاف الأولويات، أو انعدام الثقة، أو محدودية الموارد، وهي عوامل تجعل تحويل الشراكة إلى تحالف متكامل أمرًا غير محسوم.
وبالنسبة إلى موسكو، فإن المكسب المحتمل لا يتمثل بالضرورة في إقناع إيران بالتخلي عن أوراقها الاستراتيجية، بل في إثبات أنها طرف لا يمكن تجاهله عند معالجة أزمات الشرق الأوسط، وأن نفوذها لدى طهران يمكن أن يمنحها قيمة تفاوضية إضافية في علاقاتها مع واشنطن.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن التحدي يتمثل في الاستفادة من أي قناة دبلوماسية يمكن أن تساعد على خفض المخاطر النووية والإقليمية، من دون الخلط بين الوساطة الروسية وبين ضمانات لا تستطيع موسكو تقديمها أو الالتزام بها. فالتسوية المستدامة لا تقوم على نقل المواد النووية وحده، ولا على التفاهمات الثنائية بين القوى الكبرى فقط، وإنما تحتاج إلى التزامات واضحة، وآليات تحقق فعالة، ومعالجة متوازنة للمخاوف الأمنية ذات الصلة.
وفي المحصلة، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الكرملين قادرًا على عرض الوساطة، بل ما إذا كان مستعدًا لتحمل تكلفتها السياسية والاستراتيجية، وما إذا كانت طهران ستقبل بممارسة نفوذه في اتجاه تسوية تتوافق مع حساباتها. وحتى تتضح الإجابة عن هذين السؤالين، ستظل الوساطة الروسية احتمالًا مهمًا في إدارة الأزمة، لكنها ستبقى أيضًا جزءًا من لعبة أوسع للمساومة على المصالح والنفوذ، تتجاوز حدود الملف النووي الإيراني إلى مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية.
