روسيا وإيران في مواجهة العقوبات الغربية: بحر قزوين بوابة للتجارة البديلة وحدود الشراكة الاستراتيجية

تحليلات - Foresight

من تسوية المدفوعات بالعملات الوطنية إلى تطوير الممرات التجارية البديلة، تتجه موسكو وطهران إلى توسيع تعاونهما الاقتصادي في محاولة لتقليص الاعتماد على المنظومة المالية الغربية. غير أن هذا التقارب، رغم أهميته المتزايدة، يظل محكومًا باعتبارات جيوسياسية وعوائق لوجستية وتفاوت واضح في الوزن الاقتصادي للطرفين.

تُظهر العلاقات الاقتصادية بين روسيا وإيران كيف يمكن للعقوبات الدولية أن تدفع الدول المستهدفة بها إلى إعادة ترتيب علاقاتها التجارية والمالية، والبحث عن مسارات بديلة تقلل اعتمادها على المؤسسات والأسواق التي تهيمن عليها القوى الغربية. فموسكو وطهران، اللتان تواجهان نطاقًا واسعًا من العقوبات والقيود الدولية، تعملان على تطوير آليات للتبادل التجاري والتسوية المالية والنقل، في مسعى لا يقتصر على استمرار النشاط الاقتصادي، بل يمتد إلى تعزيز هامش الاستقلال الاستراتيجي عن المنظومة الغربية.

ويبرز بحر قزوين بوصفه إحدى الساحات المهمة لهذا التحول؛ إذ تزايدت حركة السفن التجارية بين البلدين في سياق اضطراب طرق النقل التقليدية وتصاعد التوترات الإقليمية. ولا يعكس هذا التطور توسعًا تجاريًا فحسب، بل يكشف أيضًا عن سعي متبادل لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للتبادل الروسي الإيراني، مع إبقاء جزء من التدفقات التجارية بعيدًا عن المسارات البحرية والمالية الأكثر تعرضًا للقيود الغربية.

أولًا: العقوبات بوصفها محفزًا لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية

وفقًا لبيانات شركة Castellum المتخصصة في تحليل المخاطر، تتصدر روسيا قائمة الدول الأكثر تعرضًا للإجراءات والعقوبات الدولية، بأكثر من خمسة آلاف إجراء، تليها إيران بنحو 3600 إجراء. ويعكس هذا الحجم من القيود اتساع الضغوط التي تواجهها الدولتان، لكنه لا يعني بالضرورة أن العقوبات تؤدي إلى النتائج نفسها في كل منهما، أو أن قدرتهما على التكيف متساوية.

فروسيا تمتلك قاعدة اقتصادية وصناعية واسعة، إلى جانب علاقات تجارية كبيرة مع قوى اقتصادية كبرى، وفي مقدمتها الصين. أما إيران، فتواجه بدورها قيودًا ممتدة على قطاعاتها المالية والنفطية والتجارية. ومن ثم، فإن التقارب بين موسكو وطهران يقوم على وجود مصلحة مشتركة في تخفيف آثار العقوبات، لكنه لا يلغي الاختلاف في الموارد الاقتصادية والقدرات الإنتاجية والخيارات الاستراتيجية المتاحة لكل طرف.

وتكشف هذه العلاقة عن مفارقة مهمة: فالعقوبات التي تستهدف الحد من قدرة الدول على الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا والتمويل الدوليين قد تدفعها أيضًا إلى بناء شبكات بديلة، وتوسيع استخدام العملات الوطنية، وتعزيز الروابط المصرفية الثنائية، وتطوير ممرات نقل لا تعتمد بالكامل على البنية التحتية التقليدية. ومع ذلك، لا يعني إنشاء هذه البدائل بالضرورة القدرة على تعويض جميع مزايا النظام الاقتصادي العالمي القائم.

ثانيًا: نمو التجارة الثنائية واتساع مجالات التعاون

تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن حجم التجارة الثنائية بين روسيا وإيران بلغ نحو 5.8 مليارات دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 21% مقارنة بالعام السابق، وفق تصريح للسفير الروسي لدى إيران في يونيو من ذلك العام.

وتتسم التجارة المعلنة بين البلدين بتركيز واضح على المنتجات الزراعية والغذائية؛ إذ تصدر روسيا الحبوب والزيوت النباتية إلى إيران، في حين تصدر إيران الفواكه والخضراوات إلى السوق الروسية. وتشمل الصادرات الروسية أيضًا منتجات صناعية، مثل المعادن والأخشاب والآلات.

كما أفادت شركة ProZerno الاستشارية الروسية المتخصصة في الحبوب بأن إيران استوردت 1.7 مليون طن من القمح الروسي خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026، مقارنة بنحو 565 ألف طن خلال الفترة المقابلة من السنة الزراعية السابقة، بحسب البيانات المشار إليها في التقرير.

وتدل هذه المؤشرات على توسع ملموس في بعض مسارات التبادل التجاري، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحول شامل في بنية الاقتصادين أو نجاحهما في تجاوز آثار العقوبات. فالتجارة الثنائية، على الرغم من نموها، تظل محدودة نسبيًا عند مقارنتها بحجم التجارة الروسية مع الصين، فضلًا عن استمرار القيود التي تواجه النقل والتمويل والتكنولوجيا.

ثالثًا: بحر قزوين وإعادة تشكيل الجغرافيا التجارية

يكتسب بحر قزوين أهمية متزايدة في العلاقات الروسية الإيرانية باعتباره مسارًا يمكن أن يدعم انتقال السلع بين البلدين، ويوفر اتصالًا بحريًا بديلًا عن بعض المسارات التقليدية. وقد أشار تقرير صادر عن Lloyd’s List Intelligence إلى ارتفاع عدد السفن النشطة التي ترفع العلمين الروسي والإيراني في بحر قزوين بنسبة 21% على أساس سنوي في أغسطس.

ووفقًا للتقرير نفسه، ارتفع عدد سفن البضائع العامة العاملة على هذا المسار من 105 سفن في فبراير إلى 215 سفينة في أغسطس، مع زيادة سنوية بلغت 36% في القدرة الاستيعابية للشحن ضمن هذا القطاع. وتشير هذه الأرقام إلى تنامي النشاط البحري، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن جميع الزيادة مرتبطة مباشرة بتجاوز العقوبات أو بنقل شحنات ذات طبيعة عسكرية.

وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى بحر قزوين باعتباره عنصرًا ضمن شبكة أوسع من البدائل التجارية واللوجستية، لا باعتباره ممرًا قادرًا بمفرده على تعويض الطرق البحرية الدولية الكبرى. فالملاحة فيه تواجه قيودًا تتصل بعمق المياه وتراجع مستوياتها، فضلًا عن محدودية قدرات الموانئ والاختناقات في شبكات السكك الحديدية، والقيود التي يفرضها نظام نهر الفولغا–الدون على حركة السفن والربط بالممرات الأخرى.

وبذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لبحر قزوين لا تُقاس فقط بحجم البضائع التي يمكن أن تمر عبره، بل أيضًا بقدرته على توفير قدر من المرونة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. غير أن هذه المرونة تظل مشروطة بتطوير البنية التحتية، وتحسين قدرات النقل والتخزين، ومعالجة الاختناقات التي تحد من التوسع المستدام في حركة التجارة.

رابعًا: الأساطيل الموازية ومشكلة الشفافية

يمتد التعاون الروسي الإيراني إلى مجال أكثر حساسية يرتبط بالنقل البحري والأنشطة التي يصعب تتبعها بصورة كاملة. ويشير التقرير إلى تزايد الاهتمام بما يُعرف بـ«الأساطيل الموازية» أو «أساطيل الظل»، وهي شبكات من السفن التي تستخدم في بعض الحالات ترتيبات تشغيل وملكية وخدمات معقدة لتقليل مستوى انكشاف أنشطتها أمام الجهات الرقابية والعقوبات.

وتشير تقديرات نقلها التقرير عن المحللة الإقليمية نيتيا لابه إلى أن أسطول الظل العالمي يضم أكثر من 1300 سفينة، بما يعادل خُمس ناقلات النفط في العالم على الأقل. غير أن تقديرات الحجم تختلف باختلاف تعريف هذا النوع من الأساطيل والمنهجية المستخدمة في حصر السفن التي تندرج ضمنه.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية في سياق العقوبات المفروضة على روسيا وإيران، لأن استخدام ترتيبات شحن معقدة، أو إخفاء بعض بيانات الحركة، قد يزيد صعوبة التحقق من طبيعة البضائع والجهات المستفيدة منها. وقد أشار تقرير Lloyd’s List إلى أن بعض الناقلات التي رُصدت في بحر قزوين أوقفت إشارات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) عند اقترابها من موانئ روسية وإيرانية، ثم أعادت تشغيلها خلال عبورها.

ومع ذلك، فإن إيقاف إشارات التتبع لا يثبت وحده وقوع مخالفة أو نقل شحنة غير مشروعة؛ إذ لا يُطلب تشغيل نظام التعريف الآلي في جميع الظروف دون استثناء. لذلك، ينبغي أن يستند تقييم أي نشاط بحري مشبوه إلى مجموعة من الأدلة، تشمل بيانات الملكية والتشغيل، وطبيعة الشحنة، ومسار السفينة، والوثائق التجارية، والمعلومات الاستخباراتية المتاحة.

وتزداد أهمية هذا التمييز عند تناول الاتهامات المتعلقة بنقل معدات عسكرية أو مكونات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والذخائر عبر بحر قزوين. فقد اتهمت أوكرانيا روسيا باستخدام هذا المسار لنقل معدات عسكرية، كما أشار معهد دراسة الحرب إلى تقييمات تتعلق بتحركات سفن خاضعة للعقوبات. لكن التقرير ينقل أيضًا أن هذه الادعاءات لم تتأكد بصورة مستقلة، وأن الحكومتين الروسية والإيرانية لم تعلنا رسميًا عن عمليات النقل المشار إليها.

وعليه، فإن وجود مصلحة استراتيجية مشتركة في تقليص آثار العقوبات لا ينبغي أن يُعامل بوصفه دليلًا تلقائيًا على أن كل حركة تجارية بين البلدين تنطوي على نشاط غير مشروع. فالتحليل الدقيق يقتضي الفصل بين الوقائع المرصودة، والقرائن التي تستدعي مزيدًا من التدقيق، والاتهامات التي لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة.

خامسًا: المدفوعات البديلة وممر الشمال–الجنوب

لا يقتصر التقارب الروسي الإيراني على التجارة والنقل البحري، بل يشمل كذلك محاولات تقليل الاعتماد على البنية المالية الغربية. فقد وسّع البلدان تسوية معاملاتهما بالروبل الروسي والريال الإيراني، وعززا الربط بين أنظمة المراسلة المالية بين المصارف، بما يتيح تبادل الرسائل المصرفية بعيدًا عن الاعتماد المباشر على شبكة «سويفت» الدولية.

ويعكس هذا التوجه رغبة في تقليل التعرض للعقوبات المالية، لكنه لا يعني بالضرورة الاستغناء الكامل عن النظام المالي العالمي؛ إذ تظل التجارة الدولية مرتبطة بتوافر العملات القابلة للتحويل، والثقة المصرفية، وإمكانية الوصول إلى الأسواق ومقدمي الخدمات والتأمين والنقل.

وفي الجانب اللوجستي، يبرز ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب بوصفه أحد المشروعات الأساسية في التصور الروسي الإيراني للتكامل التجاري. ويستهدف الممر ربط روسيا بإيران، ثم توسيع الاتصال باتجاه الخليج العربي والهند، عبر مسارات برية وسككية وبحرية تمر بالقوقاز الجنوبي وآسيا الوسطى.

لكن تحويل هذا المشروع إلى ممر تجاري فعال يتطلب معالجة عقبات تتجاوز الاتفاقات السياسية، من بينها استكمال البنية التحتية، وتنسيق الإجراءات الجمركية، وتحسين الربط بين شبكات النقل، وتجاوز التحديات الجيوسياسية والإدارية. ولذلك، فإن الممر يمثل فرصة استراتيجية طويلة الأجل، لكنه لا يوفر في الوقت الراهن بديلًا كاملًا عن شبكات النقل العالمية القائمة.

سادسًا: التعاون العسكري وحدود الشراكة الروسية الإيرانية

يمثل البعد العسكري أحد أكثر جوانب العلاقة حساسية. فقد زودت إيران روسيا بطائرات مسيّرة هجومية في المراحل الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية، وفق ما ورد في التقرير، قبل أن تطور روسيا قدراتها الإنتاجية المحلية في هذا المجال. كما أشار التقرير إلى تقارير تتحدث عن انتقال مكونات للطائرات المسيّرة من روسيا إلى إيران عبر بحر قزوين.

وتكشف هذه المعطيات عن أن العلاقة لا تقتصر على تبادل السلع المدنية، بل تتصل أيضًا باحتياجات دفاعية وصناعية، وبمحاولات الاستفادة من القرب الجغرافي والروابط اللوجستية لتأمين بعض الإمدادات. إلا أن تقييم حجم هذا التعاون وطبيعته يتطلب التمييز بين المعلومات المؤكدة والتقارير التي لم تخضع للتحقق المستقل.

وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة إيران على تعويض روسيا عن آثار العقوبات الغربية. فقد أكدت تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن التعاون الروسي مع الصين يظل أكثر أهمية من التعاون مع إيران في جوانب رئيسية، بالنظر إلى حجم التجارة الثنائية بين موسكو وبكين، ومشتريات الصين من الطاقة الروسية، وتوفيرها بعض المكونات المستخدمة في القطاع الدفاعي الروسي.

وتجاوز حجم التجارة الروسية الصينية 200 مليار دولار سنويًا وفق المصدر الذي يستند إليه التقرير، وهو ما يوضح الفارق في الوزن الاقتصادي بين الشريكين. ومن ثم، فإن العلاقات الروسية الإيرانية تبدو أقرب إلى شراكة استراتيجية انتقائية تقوم على المصالح المتبادلة، لا إلى تحالف اقتصادي متكافئ قادر على توفير بديل شامل عن العلاقات الروسية مع القوى الاقتصادية الكبرى.

سابعًا: العقوبات والردع ومخاطر التصعيد

تطرح محاولات إنفاذ العقوبات في البحر تحديات تتجاوز الجانب القانوني والتجاري، إذ قد تتحول عمليات اعتراض السفن أو احتجازها إلى مصدر مباشر للتوتر العسكري. ويشير التقرير إلى تحذيرات من المخاطر المرتبطة بالتدخل المادي ضد السفن التجارية المشتبه في ارتباطها بشبكات الالتفاف على العقوبات، مستشهدًا بحوادث وتوترات سابقة في منطقة بحر البلطيق، فضلًا عن تهديدات روسية بالرد على عمليات مصادرة السفن التجارية.

وتكشف هذه المخاطر عن معضلة تواجه الدول الغربية: فالتساهل في إنفاذ العقوبات قد يضعف أثرها، بينما يمكن أن تؤدي عمليات الإنفاذ الصارمة في بعض البيئات البحرية إلى تصعيد غير محسوب. ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز التعاون الاستخباراتي والرقابة المالية والشفافية في سلاسل الشحن، وتطوير أدوات قانونية تستند إلى أدلة واضحة، بدل الاعتماد على إجراءات قد ترفع احتمالات المواجهة المباشرة.

كما أن فاعلية العقوبات لا تتوقف على عدد الإجراءات المفروضة، بل تتصل بمدى التنسيق الدولي في تنفيذها، وقدرة الجهات الرقابية على تتبع الملكية المستفيدة، والتحقق من منشأ البضائع ووجهتها، والحد من استخدام الشركات الوسيطة والهياكل التجارية المعقدة.

خاتمة: شراكة مهمة، لكنها ليست بديلًا عن النظام الاقتصادي العالمي

توضح العلاقة الروسية الإيرانية أن العقوبات لا تؤدي بالضرورة إلى عزل اقتصادي كامل للدول المستهدفة، بل قد تدفعها إلى إعادة توجيه تجارتها وتطوير آليات مالية ولوجستية بديلة. ويؤدي بحر قزوين دورًا متزايدًا في هذا السياق، إلى جانب التسويات بالعملات الوطنية وممر الشمال–الجنوب، في إطار سعي موسكو وطهران إلى تقليص تعرضهما للقيود الغربية.

ومع ذلك، تظل قدرة هذه البدائل على إحداث تحول اقتصادي واسع محدودة بعوامل عدة، من بينها ضعف البنية التحتية في بعض المسارات، والقيود الجغرافية، والتفاوت في القدرات الاقتصادية، واستمرار الاعتماد الروسي على علاقات تجارية أوسع، وفي مقدمتها العلاقة مع الصين.

أما الجانب الأكثر حساسية فيتمثل في صعوبة التمييز بين التجارة المشروعة والأنشطة التي قد تستهدف الالتفاف على العقوبات، خصوصًا عندما تتراجع شفافية الشحنات أو تتعقد هياكل الملكية والتشغيل. ولا يكفي في هذا المجال الاستناد إلى مسار سفينة أو انقطاع إشارات التتبع لإثبات وقوع مخالفة، بل يتطلب الأمر أدلة متكاملة وتقييمًا مستقلًا.

في المحصلة، لا يبدو التقارب الروسي الإيراني قادرًا بمفرده على إنشاء نظام اقتصادي موازٍ متكامل، لكنه يمثل محاولة عملية لتوسيع هامش المناورة أمام العقوبات وإعادة توزيع المخاطر الجيوسياسية. وتظل أهميته مرهونة بمدى قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات والممرات البديلة إلى بنية تجارية مستدامة، وبحجم التكاليف التي ستفرضها عليهما القيود الدولية والاختناقات اللوجستية والتنافس بين القوى الكبرى.