بث تجريبي

كيف تغيّرت قيادة «حماس» خلال أربعة عقود؟

تقارير وملفات - Foresight

من أحمد ياسين إلى خليل الحيّة... مسيرة قيادة صاغتها الاغتيالات والحروب والتحولات الإقليمية

منذ تأسيس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في ديسمبر (كانون الأول) 1987، لم تكن انتقالات القيادة فيها نتاج دورات تنظيمية هادئة بقدر ما كانت انعكاساً مباشراً للحروب والاغتيالات والاعتقالات والمتغيرات الإقليمية. فكل محطة قيادية تقريباً جاءت بعد حدث استثنائي فرض على الحركة إعادة ترتيب هرمها التنظيمي، وهو ما جعل تاريخ قيادتها مرآةً لتاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي نفسه.

ويأتي انتخاب خليل الحيّة رئيساً للمكتب السياسي للحركة في يوليو (تموز) 2026 ليؤذن ببدء مرحلة جديدة ربما تكون الأكثر حساسية منذ تأسيس «حماس»، بعدما خسرت الحركة، خلال أقل من عامين، معظم قيادات الصف الأول السياسية والعسكرية، في واحدة من أكبر عمليات الاستنزاف التي تعرضت لها في تاريخها.

من جماعة دعوية إلى حركة مقاومة

لم تولد «حماس» بصورة مفاجئة مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بل سبقتها سنوات طويلة من العمل التنظيمي والدعوي داخل قطاع غزة والضفة الغربية. وتشير المصادر إلى أن التحضير لإنشاء الحركة استمر قرابة عشر سنوات قبل الإعلان الرسمي عنها في ديسمبر 1987، عقب اجتماع عقد في منزل الشيخ أحمد ياسين، شهد صياغة البيان التأسيسي الأول.

وبعد عام واحد فقط، أصدرت الحركة ميثاقها الأول عام 1988، قبل أن تنشئ أول مجلس شورى عام 1991، في خطوة هدفت إلى بناء مؤسسات تنظيمية قادرة على إدارة توسع الحركة داخلياً وخارجياً.

ويظل الشيخ أحمد ياسين الشخصية المؤسسة والأب الروحي لـ«حماس»، إذ ارتبط اسمه بالهوية الفكرية والتنظيمية للحركة حتى اغتياله في 22 مارس (آذار) 2004، في عملية شكلت واحدة من أبرز المحطات المفصلية في تاريخها.

تأسيس المكتب السياسي

شهد عام 1992 تحولاً تنظيمياً مهماً مع إنشاء المكتب السياسي للحركة، وذلك بعد قيام إسرائيل بإبعاد مئات من كوادر «حماس» إلى جنوب لبنان. وقد فرضت تلك الظروف على الحركة إنشاء إطار سياسي يتولى إدارة العلاقات الخارجية والإشراف على مؤسساتها بعيداً عن الداخل الفلسطيني.

وكان الدكتور موسى أبو مرزوق أول رئيس للمكتب السياسي، ليبدأ منذ ذلك التاريخ تقليد تنظيمي يقوم على وجود قيادة سياسية خارجية تتولى إدارة الملفات الإقليمية والدولية، بالتوازي مع القيادة الميدانية داخل الأراضي الفلسطينية.

ومنذ تأسيس المكتب السياسي تعاقب على رئاسته خمسة قادة، لكل منهم بصمته الخاصة وظروفه المختلفة.

موسى أبو مرزوق... مرحلة التأسيس الخارجي

قاد موسى أبو مرزوق المكتب السياسي بين عامي 1992 و1996، وهي المرحلة التي انشغلت فيها الحركة ببناء شبكاتها التنظيمية الخارجية بعد موجة الاعتقالات الإسرائيلية الواسعة عام 1989.

وُلد أبو مرزوق عام 1951 في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وأكمل دراسته العليا في الولايات المتحدة، حيث حصل على درجة الدكتوراه قبل أن تعتقله السلطات الأمريكية عام 1995، ليقضي عامين في السجن قبل ترحيله إلى الأردن.

وخلال السنوات اللاحقة تنقل بين عدة عواصم عربية، من بينها القاهرة والدوحة وغزة، كما ترأس وفد «حماس» في جولات الحوار الفلسطيني التي استضافتها مصر.

خالد مشعل... عقدان من القيادة

في عام 1996 انتقلت رئاسة المكتب السياسي إلى خالد مشعل، الذي يعد صاحب أطول فترة قيادة في تاريخ الحركة، بعدما بقي في منصبه حتى عام 2017.

ولد مشعل عام 1956 في الضفة الغربية، قبل أن تنتقل أسرته إلى الكويت، حيث درس الفيزياء وعمل مدرساً لعدة سنوات. وكان من بين المؤسسين الأوائل للحركة عام 1987.

وخلال فترة قيادته تحولت «حماس» إلى أحد أبرز الفاعلين في الساحة الفلسطينية والإقليمية، كما شهدت تلك المرحلة توسع حضورها السياسي والدبلوماسي. وفي عام 2012 زار قطاع غزة للمرة الأولى منذ مغادرته الضفة الغربية طفلاً، في زيارة حملت أبعاداً سياسية ورمزية كبيرة.

إسماعيل هنية... من رئاسة الحكومة إلى قيادة الحركة

في عام 2017 انتخب إسماعيل هنية رئيساً للمكتب السياسي خلفاً لمشعل، بعد مسيرة طويلة داخل الحركة بدأت منذ شبابه في قطاع غزة.

ولد هنية عام 1962، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة من قبل إسرائيل، قبل أن يصبح أحد أبرز الوجوه السياسية لـ«حماس» عقب فوز قائمة «التغيير والإصلاح» بالأغلبية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، وهو الفوز الذي قاده إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية.

واستمرت رئاسته للمكتب السياسي حتى اغتياله عام 2024، منهية مرحلة اتسمت بمحاولات توسيع الحضور السياسي للحركة على المستويين الإقليمي والدولي.

يحيى السنوار... أقصر رئاسة

بعد اغتيال هنية، اختارت «حماس» يحيى السنوار رئيساً للمكتب السياسي في السادس من أغسطس (آب) 2024.

ولد السنوار عام 1962 في مخيم خان يونس، ودرس في الجامعة الإسلامية بغزة، قبل أن تعتقله إسرائيل عدة مرات، ويقضي سنوات طويلة في سجونها، إلى أن أفرج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى عام 2011.

غير أن فترة رئاسته كانت الأقصر في تاريخ المكتب السياسي، بعدما اغتالته إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، لتدخل الحركة بعدها مرحلة قيادة جماعية في ظل ظروف الحرب.

خليل الحيّة... قيادة في مرحلة إعادة البناء

مع انتخاب خليل الحيّة رئيساً للمكتب السياسي في يوليو (تموز) 2026، تدخل «حماس» مرحلة تنظيمية مختلفة عن جميع المراحل السابقة.

فالحيّة لا يتولى قيادة حركة مستقرة تنظيمياً، بل يقودها بعد سلسلة غير مسبوقة من الاغتيالات التي طالت أبرز قادتها السياسيين والعسكريين، وفي ظل تحديات تتعلق بإعادة بناء هياكلها القيادية، وإدارة تداعيات الحرب، والحفاظ على تماسكها التنظيمي.

ويمثل انتخابه أيضاً نهاية مرحلة القيادة الجماعية التي أعقبت اغتيال يحيى السنوار، وعودة الحركة إلى نموذج الرئيس المنتخب للمكتب السياسي.

قيادة تتشكل تحت ضغط الصراع

يكشف استعراض تاريخ قيادة «حماس» أن الحركة لم تعرف انتقالاً تقليدياً للسلطة داخل مؤسساتها، بل إن معظم التحولات القيادية جاءت نتيجة عوامل قسرية فرضها الصراع مع إسرائيل، سواء عبر الاغتيالات أو الاعتقالات أو الحروب.

ومن هنا، فإن انتخاب خليل الحيّة لا يمثل مجرد تغيير تنظيمي داخلي، بل يعكس دخول الحركة مرحلة جديدة تواجه فيها تحديات غير مسبوقة، في وقت تسعى فيه إلى إعادة بناء قيادتها واستعادة توازنها بعد خسارة معظم رموزها التاريخيين خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي هذا السياق، تبدو القيادة الجديدة أمام اختبار مزدوج: المحافظة على تماسك الحركة من الداخل، وإدارة مرحلة إقليمية معقدة تتسم بتحولات سياسية وأمنية عميقة، قد تعيد رسم مستقبل الحركة ودورها في القضية الفلسطينية خلال السنوات المقبلة.