التعاون الأمريكي–النيجيري في مكافحة الإرهاب
أعلنت القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) في 16 مايو (أيار) 2026 أن عملية مشتركة نُفذت بالتعاون مع القوات النيجيرية في شمال شرق نيجيريا أسفرت عن مقتل أبو بلال المنيوكي، المسؤول عن العمليات العالمية لتنظيم «داعش»، إلى جانب عدد من كبار قادة التنظيم. وقد استفادت القوات البرية، التي قادتها نيجيريا بشكل رئيسي، من القدرات الاستخباراتية الأمريكية، بما في ذلك أنظمة المراقبة المتقدمة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط العملياتي المشترك. وكان قائد «أفريكوم» الجنرال داغفين أندرسون قد أشار في يناير (كانون الثاني) 2026 إلى أن هذا النمط من التعاون يمكن أن يشكل نموذجاً للشراكات الأمنية المستقبلية في أفريقيا.
وقد أثبت هذا النهج الجديد فاعليته بصورة خاصة في حوض بحيرة تشاد، حيث تستغل التنظيمات المتطرفة العنيفة الطبيعة الجغرافية الوعرة والحدود الدولية الهشة لتنفيذ هجماتها. وفي مثل هذه البيئات العملياتية، يسهم دمج المعلومات الاستخباراتية والتخطيط المنسق في تحسين الوعي الميداني، وتعزيز جودة اتخاذ القرار العسكري، ورفع قدرات الدول الشريكة، دون الحاجة إلى نشر عسكري أجنبي طويل الأمد. وتعكس هذه التطورات تحول الاستخبارات من دور داعم إلى عنصر عملياتي حاسم في التعاون المعاصر لمكافحة الإرهاب.
وكانت الولايات المتحدة ونيجيريا قد أطلقتا في أواخر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي عملية مشتركة لمكافحة الإرهاب استهدفت تنظيم «ولاية غرب أفريقيا» التابع لـ«داعش» (ISWAP)، وجماعة «بوكو حرام»، إضافة إلى جماعات اللصوص المسلحة الناشطة في المنطقة. ونفذت القوات الأمريكية، بالتنسيق مع السلطات النيجيرية، ضربات ضد مواقع تنظيم «ولاية غرب أفريقيا» في ولاية سوكوتو يوم عيد الميلاد عام 2025، قبل أن تتبعها في مايو (أيار) 2026 حملة عسكرية واسعة في شمال شرق البلاد. وجمعت العمليات بين غارات للقوات الخاصة وعدة موجات من الضربات الجوية، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من العناصر الجهادية وتدمير بنى تحتية إرهابية في المنطقة.
ومن المفارقات أن النجاح اللافت الذي حققته المرحلة الحالية من العمليات الأمريكية–النيجيرية المشتركة جاء بعد فترة من التوتر بين البلدين. فقد أثار السيناتور الأمريكي تيد كروز مخاوف بشأن ما وصفه بـ«الإبادة الجماعية المستمرة للمسيحيين» في نيجيريا. غير أن غيمبا كاكاندا، كبير المساعدين الخاصين للرئيس النيجيري لشؤون البحوث والتحليلات، اعتبر أن هذا الوصف يختزل قضية أكثر تعقيداً ترتبط بالتنافسات العرقية والنزاعات على الأراضي والموارد، وليس باضطهاد ديني ممنهج. كما أن ضحايا جماعتي «بوكو حرام» و«ولاية غرب أفريقيا» شملوا مسلمين ومسيحيين على حد سواء. وفي رده، أكد الرئيس النيجيري بولا تينوبو أن التحديات الأمنية التي تواجه بلاده لا تمثل حرباً ضد أي دين بعينه، مشدداً على أن «تصوير الوضع الأمني في نيجيريا باعتباره حملة تستهدف جماعة دينية واحدة يمثل تشويهاً صارخاً للواقع».
ورغم هذه التوضيحات، صنّف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيجيريا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 ضمن قائمة «الدول المثيرة للقلق بشكل خاص» بسبب المخاوف المتعلقة بحرية المعتقد. وقد عكس هذا التصنيف اختلافاً في تفسير الأزمة الأمنية بين واشنطن وأبوجا؛ إذ ركزت الولايات المتحدة بصورة أكبر على ملف الحريات الدينية، بينما رأت الحكومة النيجيرية أن العنف ناتج عن تداخل عوامل التمرد والإجرام والصراعات المحلية.
في المقابل، كشف مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 أن نيجيريا سجلت أكبر زيادة في عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب على مستوى العالم خلال عام 2025، حيث ارتفع العدد بنسبة 46 في المائة ليبلغ 750 قتيلاً. وعزا التقرير نحو 80 في المائة من هذه الوفيات إلى تنظيمي «ولاية غرب أفريقيا» و«بوكو حرام». وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن المشهد الأمني في نيجيريا بات أكثر تعقيداً، مع استمرار النشاط الإرهابي في التأثير على أولويات السياسة الأمنية الداخلية وعلى طبيعة انخراط الشركاء الدوليين.
ومع ذلك، ورغم تصنيف ترامب لنيجيريا ضمن «الدول المثيرة للقلق بشكل خاص»، واصل البلدان توسيع تعاونهما في مجال مكافحة الإرهاب. ففي فبراير (شباط) من العام الجاري، تعهدت الولايات المتحدة بتزويد نيجيريا بـ12 طائرة هجومية خفيفة من طراز A-29 Super Tucano و12 مروحية هجومية من طراز AH-1Z، إلى جانب تقديم تمويل لتحديث مرافق مكافحة الإرهاب في قاعدة كاينجي الجوية، بما يدعم تشغيل طائرات «سوبر توكانو».
وفي 2 يوليو (تموز) 2026، أعلنت الولايات المتحدة سحب أفرادها العسكريين الذين كانوا ينتشرون في نيجيريا ضمن مهمة مؤقتة لمكافحة الإرهاب في حوض بحيرة تشاد. وبينما أكدت واشنطن أن التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة النيجيرية سيستمران، نفت هيئة الدفاع النيجيرية حدوث انسحاب أمريكي كامل. وأوضحت أن نحو 200 مستشار عسكري أمريكي أُعيد توزيعهم لمواصلة تقديم التدريب المتخصص، والدعم الفني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. كما أكد المتحدث باسم هيئة الدفاع النيجيرية، سامايلا أوبا، أن المستشارين الأمريكيين موجودون في البلاد لأغراض التدريب فقط، ولن يشاركوا في العمليات القتالية أو يتولوا أي دور عملياتي مباشر، مع احتفاظ القوات النيجيرية بالقيادة الكاملة لجميع العمليات.
ويُلاحظ أنه في الوقت الذي عززت فيه نيجيريا تعاونها مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، انهارت الجهود الأمريكية في النيجر بعد أن أنهت حكومة نيامي الاتفاقيات الأمنية مع واشنطن، وأجبرت جميع القوات الأمريكية على الانسحاب عام 2024. ففي أعقاب الانقلاب السياسي الذي شهدته البلاد عام 2023، أكملت وزارة الدفاع الأمريكية انسحابها من القاعدتين الجويتين 101 في نيامي و201 في أغاديز، منهية بذلك عمليات المراقبة بالطائرات المسيّرة وبرامج التدريب الميداني التي كانت تنفذها في النيجر. وتبرز التجربتان المتباينتان في نيجيريا والنيجر أن الاستقرار السياسي، وموافقة الحكومة المضيفة، والتوافق الاستراتيجي، تشكل جميعها عوامل لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية في ضمان استدامة الشراكات الأمنية الخارجية.
ويشكل انهيار التعاون الأمريكي في مكافحة الإرهاب بالنيجر، عقب الانقلاب السياسي، تذكيراً واضحاً بأن الشراكات الأمنية القائمة على أسس سياسية هشة تبقى عرضة للانهيار السريع. لكن من منظور إقليمي، تُظهر تجربة التعاون الأمريكي–النيجيري في عام 2026 أن التعاون الأمني الفعال والقابل للتنفيذ يظل ممكناً حتى في ظل تباينات سياسية أوسع.
ويقدم التعاون الأمريكي–النيجيري، بما حققه من نتائج عملياتية إيجابية، دروساً مهمة لتطوير شراكات أكثر مرونة واستدامة في مكافحة الإرهاب عبر حوض بحيرة تشاد والمشهد الأمني الأفريقي بشكل عام. وتؤكد هذه التجربة أهمية تبادل المعلومات الاستخباراتية، والاعتماد على القوات المحلية في قيادة العمليات البرية، وتقديم المساعدات العسكرية الموجهة، والاستثمار طويل الأمد في بناء القدرات، باعتبارها أدوات أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات الإرهابية المتطورة من الاعتماد على الانتشار العسكري الأجنبي طويل الأمد، الذي يفرض أعباء سياسية ولوجستية كبيرة.
ومع استمرار التنظيمات الإرهابية في المنطقة في تطوير تكتيكاتها واستغلال المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، ستزداد أهمية قدرة الشركاء الإقليميين على إدارة العمليات الميدانية بدعم استخباراتي خارجي. ومن هذا المنطلق، قد لا تمثل حملة عام 2026 نهاية لمسار معين بقدر ما تشكل نموذجاً يمكن البناء عليه. وإذا ما جرى إضفاء الطابع المؤسسي عليها من خلال أطر متعددة الأطراف، مثل القوة المشتركة متعددة الجنسيات ولجنة حوض بحيرة تشاد، فقد توفر نموذجاً أكثر صلابة واستدامة للتعاون الأمني الإقليمي في أفريقيا.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتبة، ولا تعكس بالضرورة مواقف معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية أو حكومة الهند.
نُشر هذا المقال في معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية (Manohar Parrikar IDSA).
