تداعيات أزمة أوكرانيا على الاقتصاد الروسي
كتب: شبكة الاستشراف
رغم تصاعد الضغوط الاقتصادية على روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن هذه الضغوط كافية لدفع الكرملين، في المدى المنظور، إلى تغيير حساباته الاستراتيجية أو الانخراط الجاد في مفاوضات لإنهاء الحرب. فالاقتصاد الروسي، وإن كان يواجه تحديات متزايدة، لا يزال قادرًا على دعم مجهود حربي طويل الأمد، مستفيدًا من عائدات الطاقة، وإعادة توزيع كلفة الحرب داخليًا، وغياب ضغط اجتماعي واسع النطاق.
أولًا: المشهد الاقتصادي العام
يواجه الاقتصاد الروسي في الوقت الراهن رياحًا معاكسة متراكمة، أبرزها ارتفاع التضخم، واتساع العجز في الميزانية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، إلى جانب تراجع نسبي في عائدات النفط والغاز. ويعود جزء كبير من هذه الضغوط إلى الزيادة غير المسبوقة في الإنفاق العسكري، الذي بات يستهلك نسبة كبيرة من الموازنة العامة.
ورغم ذلك، لا تعكس المؤشرات الحالية وضعًا اقتصاديًا كارثيًا أو انهيارًا وشيكًا، بل حالة يمكن للكرملين إدارتها على المدى القصير والمتوسط، خاصة في ظل استمرار صادرات الطاقة، ولو عبر قنوات بديلة وبكلفة أعلى.
ثانيًا: هل الاقتصاد عامل ضغط سياسي؟
تشير تقديرات مراكز بحثية غربية إلى أن العقوبات الاقتصادية، رغم تأثيرها التراكمي، لم تصل بعد إلى مستوى يغيّر قرار موسكو بشأن الحرب. فطالما استمرت روسيا في إنتاج النفط وبيعه بأسعار “مقبولة نسبيًا”، فإنها تمتلك الموارد المالية اللازمة لمواصلة القتال.
ويؤكد محللون أن الاقتصاد، في وضعه الحالي، ليس عاملًا حاسمًا في حسابات الرئيس فلاديمير بوتين عند التفكير في إنهاء الحرب. بل إن حرب الاستنزاف قد تستمر لسنوات أخرى دون أن تشكّل الأوضاع الاقتصادية سببًا مباشرًا للانخراط في تسوية غير مواتية من وجهة نظر الكرملين.
ثالثًا: إدارة الكلفة داخليًا واحتواء السخط
نجحت الحكومة الروسية حتى الآن في نقل جزء كبير من كلفة الحرب إلى المجتمع عبر زيادات ضريبية وارتفاع في الأسعار، لا سيما أسعار السلع المستوردة. إلا أن هذه الإجراءات لم تُترجم إلى سخط اجتماعي واسع، بفعل عاملين رئيسيين: السيطرة الإعلامية، والطبيعة التاريخية للتضخم المرتفع في روسيا، الذي اعتاد عليه المستهلكون.
في المقابل، أدّى الإنفاق العسكري إلى خلق فئة من “الرابحين” من اقتصاد الحرب، تشمل عمال الصناعات الدفاعية، والمقاولين، والجنود. وقد ارتفعت رواتب العسكريين وتعويضات أسر القتلى والجرحى إلى مستويات غير مسبوقة، ما أسهم في تهدئة الاحتقان الاجتماعي، خصوصًا في المناطق الفقيرة نسبيًا، التي شهدت انتعاشًا اقتصاديًا جزئيًا منذ بداية الحرب.
رابعًا: الإنفاق العسكري والاستقرار السياسي
تقدّر بعض التقارير أن روسيا تخصص ما يقارب 40% من ميزانيتها للإنفاق العسكري، وهو مستوى غير مسبوق منذ الحقبة السوفيتية. وقد ساعد هذا الإنفاق في تقليص احتمالات الاحتجاج الشعبي، مقارنة بحروب سابقة مثل أفغانستان أو الشيشان، حيث لعبت احتجاجات أسر الجنود دورًا ضاغطًا.
ويُنظر إلى غياب احتجاجات واسعة النطاق بوصفه عاملًا مريحًا لصانع القرار الروسي، إذ يخفف القيود الداخلية على استمرار العمليات العسكرية.
خامسًا: خريطة المصالح الدولية
ترتبط فعالية الضغط الاقتصادي على روسيا بشبكة معقّدة من المصالح الدولية. فالولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف قدرة موسكو على تمويل الحرب دون التورط في مواجهة مباشرة، بينما يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة الموازنة بين دعم العقوبات واستقرار أسواق الطاقة.
في المقابل، تلعب الصين والهند دورًا محوريًا في تقليص فعالية العقوبات، عبر استيراد النفط الروسي بأسعار تفضيلية، مدفوعتين باعتبارات أمن الطاقة والمصالح الاستراتيجية. كما تسهم دول الجنوب العالمي، الساعية إلى استقرار أسعار الغذاء والطاقة، في فتح قنوات بديلة أمام الاقتصاد الروسي، دون التزام صارم بالعقوبات الغربية.
سادسًا: التحدي الحقيقي – المدى الطويل
رغم قدرة الاقتصاد الروسي على الصمود حاليًا، فإن التحدي الأكبر يكمن في المدى الطويل. فقد جرى استنزاف جزء كبير من أصول صندوق الرفاه الوطني، ما يحدّ من قدرة الدولة على عزل المجتمع عن تكاليف الحرب مستقبلًا. كما أن الالتفاف على العقوبات، خصوصًا في قطاع الطاقة، بات أكثر كلفة، مع تزايد الأعباء اللوجستية والمالية.
ويرجّح خبراء أن يؤدي تشديد العقوبات، لا سيما إذا ترافق مع ضغوط أكبر على الدول المستوردة للنفط الروسي، إلى رفع كلفة الاستمرار في الحرب تدريجيًا، وربما تغيير الحسابات الاستراتيجية للكرملين في الأجل البعيد.
الخلاصة
في ضوء المعطيات الحالية، لا تشكّل الأزمة الاقتصادية الروسية عاملًا حاسمًا يدفع موسكو إلى التفاوض لإنهاء حرب أوكرانيا في المدى المنظور. فالاقتصاد، رغم الضغوط، لا يزال قادرًا على دعم المجهود الحربي، بل ويسهم في تعزيز الاستقرار الداخلي للنظام. غير أن استمرار الاستنزاف المالي وتغيّر مواقف بعض الشركاء الدوليين قد يحوّل العامل الاقتصادي، على المدى الطويل، إلى أداة ضغط حقيقية في حسابات الكرملين.
