تصاعد الحراك في تونس وفرص الانخراط الأمريكي المحدود
تدخل تونس مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الاجتماعية والاقتصادية مع انسداد سياسي متواصل، ما يضع النظام القائم أمام تحديات متراكمة، ويطرح في الوقت ذاته أسئلة جدية على شركائه الدوليين، وفي مقدمتهم واشنطن، بشأن كيفية التعامل مع واقع يبدو غير قابل للاستدامة على المدى الطويل. ففي ظل تصاعد الضغوط الداخلية على الرئيس قيس سعيد، لم تعد المقاربة الخارجية القائمة على إدارة الأزمات الأمنية كافية، بل بات مطلوبًا التفكير في خطوات محدودة لكنها استشرافية، قد تسهم في منع مزيد من التدهور وفتح أفق اقتصادي واجتماعي أوسع.
عام من الاحتجاجات المتنقلة
شهدت تونس خلال العام الجاري ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة الاحتجاجات، تنوعت دوافعها بين مطالب اقتصادية واجتماعية، واعتراضات سياسية، ومظالم محلية وبيئية. وتشير المعطيات المتاحة إلى تسجيل آلاف التحركات الاحتجاجية منذ مطلع العام، بنسبة زيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق، مع تركّز لافت في النصف الثاني من 2025.
وتبرز في هذا السياق عودة الفاعلين التقليديين، وعلى رأسهم الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى الشارع، رغم تراجع مصداقيته في السنوات الأخيرة نتيجة مواقفه المتذبذبة من السلطة. فقد عكست تحركات آب/أغسطس أن الرئاسة ما تزال تنظر إلى الاتحاد باعتباره تهديدًا محتملاً، بحكم وزنه التنظيمي وقدرته التاريخية على التعبئة.
لكن الأهم تمثّل في الاحتجاجات البيئية التي اندلعت في مدينة قابس، إثر تدهور خطير في الأوضاع الصحية الناتجة عن التلوث الصناعي. إذ سرعان ما تحولت التحركات المحلية، التي قوبلت في بدايتها بقمع أمني، إلى حركة أوسع شلّت المحافظة مؤقتًا عبر إضراب عام. وقد أعادت هذه الأحداث تسليط الضوء على أزمة مزمنة تتعلق بالشركات العمومية الكبرى، التي تمثل في آنٍ واحد ركيزة اقتصادية ومصدرًا دائمًا للاحتقان الاجتماعي، وسط عجز الدولة عن تنفيذ وعود الإصلاح أو نقل المنشآت الملوِّثة.
وتكتسب احتجاجات قابس دلالة إضافية لكونها قد تمثل بداية تصاعد الحراك البيئي في تونس، فضلًا عن وقوعها في محيط جغرافي حساس تاريخيًا من حيث الاضطرابات العمالية والاجتماعية. ورغم احتواء التحركات نسبيًا، فإن القلق الحكومي من تمددها إلى مناطق أخرى ظل واضحًا.
تصعيد سياسي وقضائي متزامن
بالتوازي مع الاحتجاجات الاجتماعية، شهدت العاصمة ومدن أخرى تحركات سياسية على خلفية أحكام قضائية قاسية صدرت بحق عشرات المعارضين في ما عُرف بقضية “التآمر ضد الدولة”. وقد أثارت هذه الأحكام، التي شملت عقوبات سجن طويلة، انتقادات حقوقية واسعة، ودفعت إلى احتجاجات أسبوعية متكررة، ما يفتح الباب أمام تشكل حراك أكثر استدامة موجه ضد المؤسسة القضائية وطريقة توظيفها سياسيًا.
وفي مشهد آخر، كشفت مواجهات في مدينة القيروان عقب مقتل أحد المواطنين على يد الشرطة عن هشاشة العلاقة بين الأجهزة الأمنية وشرائح من المجتمع، في ظل مناخ عام يتسم بتراجع الحريات وتضييق متزايد على المجتمع المدني.
سخط متنامٍ… دون انفجار وشيك
على الرغم من هذا التراكم في مؤشرات السخط، لا يبدو أن تونس تقف على أعتاب انهيار سياسي أو اقتصادي وشيك. فثقافة الاحتجاج باتت جزءًا من المشهد العام منذ 2011، كما أن الإحباط الشعبي الحالي متواصل منذ سنوات، لا سيما منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس في 2022. ويُضاف إلى ذلك عامل بالغ الأهمية يتمثل في تفضيل شريحة واسعة من التونسيين، خصوصًا من الفئات الشابة والماهرة، خيار الهجرة بدل الانخراط في مواجهة مفتوحة مع السلطة، ما يعمّق أزمة هجرة الكفاءات ويضعف القدرة على التعبئة طويلة الأمد.
غير أن هذا “الاستقرار السلبي” لا يخلو من مخاطر. فاستمرار التدهور الاقتصادي، مقترنًا باحتمالات الاضطراب المفاجئ أو فراغ السلطة، يجعل من الضروري على الشركاء الخارجيين، ولا سيما الغربيين، التفكير في سيناريوهات غير تقليدية.
ما الذي يمكن فعله خارجيًا؟
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة المقاربة الأمريكية تجاه تونس. فبدل الاكتفاء بإدارة الملف الأمني أو التركيز على صدّ انفتاح الرئاسة على خصوم واشنطن، يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد خطوات محدودة لكنها ذات أثر سياسي ورمزي واقتصادي.
ورغم صغر حجم تونس وتعقيد سياساتها، فإن موقعها الجغرافي، وصلاتها الوثيقة بأوروبا، وتركيبتها الديمغرافية التي لا تزال تميل لصالح السكان في سن العمل، تجعلها مؤهلة للعب دور في سلاسل التوريد العالمية، إذا ما أُتيح لها هامش إصلاح اقتصادي حقيقي. كما أن تجربة السنوات السابقة أظهرت أن القيادة الحالية، رغم خطابها السيادي، لا تزال حساسة للضغوط الغربية حين تُمارس بشكل انتقائي ومدروس.
وعليه، يمكن لواشنطن أن تسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية عبر دعم مشاريع البنية التحتية التجارية، وتشجيع الاستثمارات في القطاعات الأقل تسييسًا، فضلًا عن اتخاذ خطوات منخفضة التكلفة لكنها عالية الرمزية، مثل مراجعة الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات التونسية. كما أن دعم جهود المانحين الآخرين، لا سيما في قطاع الطاقة، قد يحدّ من التدهور ويبعث رسالة طمأنة للرأي العام التونسي.
ما بعد إدارة الأزمة
في النهاية، لا يكمن التحدي الأساسي في منع الانهيار فحسب، بل في مساعدة التونسيين على استعادة أفق جماعي لمستقبل أكثر ازدهارًا. فقد أظهرت تجربة ما بعد 2011 أن الدعم الخارجي، حين يُترجم إلى مبادرات ملموسة ذات بعد رمزي، يمكن أن يعزز ثقة المجتمع بقدرته على التغيير. واستئناف هذا المسار يتطلب من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم واشنطن، الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الاستثمار السياسي والاقتصادي في الاستقرار طويل الأمد.
