مؤسسة غير ربحية

الوساطة الأمريكية كخيار لا بديل عنه

تقدير موقف - شبكة الاستشراف

قد ترى إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر في سوريا قابل للاستمرار، بل وربما مريحًا من زاوية أمنية قصيرة الأجل، إلا أن واشنطن تبدي إحباطًا متزايدًا إزاء التداعيات الأوسع لهذا النهج، لا سيما ما يتعلق بمسارات التطبيع العربي، ومستوى التوتر العسكري مع تركيا، وإمكانات الاستقرار الاقتصادي في المدى القريب. فمع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، تتزايد الفجوة بين المقاربة الإسرائيلية القائمة على الردع والتصعيد، والرؤية الأمريكية التي تسعى إلى احتواء الصراعات وإعادة دمج سوريا تدريجيًا في الإقليم.

تراجع فرص التهدئة بين دمشق وتل أبيب

شهدت الأشهر الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في احتمالات إقامة علاقات أكثر طبيعية – وإن لم تصل إلى سلام رسمي – بين سوريا وإسرائيل. ومع ذلك، شكّل الاجتماع الذي جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني/يناير تطورًا إيجابيًا نسبيًا، إذ ناقش الطرفان ترتيبات أمنية بوساطة أمريكية مباشرة. ويؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في أن “تتوافق” إسرائيل مع سوريا، غير أن التوفيق بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، وبين مسألة السيادة السورية في مرحلة ما بعد الأسد، لا يزال معضلة معقدة.

ورغم ما يعلنه ترامب من قرب سياسي كبير من إسرائيل، فإن إدارته لم تُخفِ انزعاجها من بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا. فقد انتقد الرئيس في مطلع كانون الأول/ديسمبر الغارات الإسرائيلية في الجنوب السوري، محذرًا من أن استمرارها قد يعرقل “مسار تطور سوريا إلى دولة مزدهرة”. ولم يكن هذا الموقف استثناءً؛ إذ سبق لمسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية أن عبّروا عن استيائهم من وتيرة الضربات الإسرائيلية، معتبرين أنها قد تقوض الجهود الأمريكية الأوسع لإعادة ترتيب المشهد السوري.

تحوّل في الخطاب السوري تجاه إسرائيل

في المقابل، لم يعد الإحباط حكرًا على واشنطن. فقد عبّر الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، علنًا عن استيائه من السياسة الإسرائيلية، متهمًا تل أبيب بشن “حرب ضد أشباح”، ومشيرًا إلى أن دمشق بعثت منذ توليه السلطة رسائل سلام واستقرار، قوبلت بسلسلة مكثفة من الغارات الجوية والعمليات العسكرية. ويُعد هذا الخطاب تحوّلًا ملحوظًا مقارنة بنبرة الشرع التوفيقية خلال عامه الأول في الحكم، حين شدد مرارًا على أن سوريا “لا تنوي مواجهة إسرائيل” ولا ترغب في أن تكون منطلقًا لتهديد أمن الجوار.

هذا التحول لم يقتصر على تصريحات الرئيس السوري، بل انعكس أيضًا في خطاب مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، التي عادت إلى استخدام توصيفات حادة لإسرائيل، وإلى إدانة الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة العازلة باعتباره انتهاكًا للسيادة وفرضًا لأمر واقع جديد. ويشير هذا التطور إلى تآكل تدريجي في هامش الثقة المحدود الذي حاولت دمشق الجديدة بناءه مع تل أبيب.

العمليات العسكرية الإسرائيلية: بين الأمن والتوسع في الأهداف

لا يمكن إنكار أن بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، خصوصًا في أعقاب سقوط النظام السابق، يمكن تبريرها من منظور أمني، كمنع وقوع ترسانات الأسلحة في أيدي جماعات جهادية أو إجرامية، أو سد فراغ أمني محتمل على حدود الجولان. غير أن توسع هذه العمليات، واتساع نطاقها، يثيران تساؤلات حول أهدافها بعيدة المدى.

ففي الوقت الذي بات فيه احتواء النفوذ التركي المتنامي في سوريا هدفًا واضحًا للضربات الإسرائيلية، تبدو بعض التدخلات الأخرى، مثل التحرك العسكري لحماية الطائفة الدرزية في صيف 2025، أقل ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي الإسرائيلي، وأكثر التصاقًا بحسابات سياسية ورسائل ردع إقليمية. ويعزز ذلك الانطباع بأن إسرائيل لم تحسم بعد طبيعة استراتيجيتها النهائية تجاه سوريا الجديدة.

غموض استراتيجي وتباين في الرؤى

تكمن المعضلة الأساسية في غياب رؤية إسرائيلية واضحة طويلة الأمد. فالتشكيك في نوايا القيادة السورية الجديدة، ذات الخلفية الجهادية السابقة، قد يكون مفهومًا، إلا أن استمرار التصعيد العسكري دون أفق سياسي يهدد بتحويل سوريا إلى ساحة توتر دائم، ويقوض فرص إدماجها في منظومة إقليمية معادية لإيران، وهو هدف تشترك فيه دمشق الجديدة وواشنطن.

من هذا المنطلق، ترى الإدارة الأمريكية أن سوريا يمكن أن تتحول من خاصرة رخوة إلى عنصر فاعل في احتواء النفوذ الإيراني، لا سيما في ظل قيامها باعتراض شحنات السلاح المتجهة إلى “حزب الله”. غير أن هذا الدور يتطلب حدًا أدنى من الاستقرار، وهو ما يتناقض مع نهج الضربات الإسرائيلية المتكررة.

الوساطة الأمريكية كخيار لا بديل عنه

بالنسبة لواشنطن، تبدو القضية الأكثر إلحاحًا هي منع انزلاق سوريا إلى ساحة صراع مباشر بين إسرائيل وتركيا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وساطة أمريكية نشطة لوضع قواعد اشتباك واضحة، وإعادة فتح قنوات التواصل بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى ترتيبات مؤقتة على طول حدود الجولان. فالهدف الأمريكي القصير المدى لا يتمثل في فرض تطبيع سريع، بل في تحويل سوريا من جارٍ معادٍ لإسرائيل إلى جارٍ أكثر حيادًا وأقل تهديدًا.

وفي ظل رفض دمشق إقامة منطقة منزوعة السلاح بالشروط الإسرائيلية، قد يكون التوصل إلى حل وسط ضرورة لا غنى عنها. فاستمرار الرهان الإسرائيلي على إدارة توتر دائم قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية أوسع، ليس أقلها تعقيد علاقة إسرائيل بحلفائها العرب، وتقويض الجهود الأمريكية لإعادة رسم توازنات المنطقة في مرحلة ما بعد الأسد.