مؤسسة غير ربحية

الصمت كسلاح: لماذا لم تدافع فنزويلا عن أجوائها؟

تقدير موقف - شبكة الاستشراف

تحليل يكتبه: شيركوي روداني

كيف يمكن لمنظومة دفاع جوي أن تُشلّ دون أن تُقصف؟ وكيف يمكن لغياب الفعل العسكري الظاهر أن يكون في حد ذاته مؤشرًا على تفوّق استراتيجي؟ هذه الأسئلة تفتح الباب لفهم التحوّل الجوهري الذي تشهده طبيعة الصراعات في العصر الراهن.

إن عدم تسجيل أي ردّ فعل يُذكر من منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية خلال العملية الأميركية لا يمكن التعامل معه بوصفه خللًا تقنيًا أو إخفاقًا عسكريًا عابرًا. بل يعكس، على الأرجح، نمطًا جديدًا من إدارة الصراع، حيث لم يعد الحسم مرتبطًا بتدمير القدرات العسكرية للخصم، بقدر ما أصبح قائمًا على تعطيل قدرته على اتخاذ القرار، وإرباك منظومات القيادة والسيطرة، وشلّ إمكانية التصعيد من الأساس.

هذا التحوّل يعكس انتقال مركز الثقل في الحروب الحديثة من السلاح والمنصّات القتالية إلى منظومة القرار ذاتها. فالتفوّق لم يعد يُقاس بعدد الأهداف المدمّرة، بل بالقدرة على السيطرة على البيئة المعلوماتية والإدراكية التي تُتخذ ضمنها القرارات. وهو ما يفسّر الدمج المتزايد بين أدوات القيادة والسيطرة والاستخبارات والاستطلاع، وبين الحرب متعددة المجالات والحرب الإدراكية، ضمن إطار استراتيجي واحد يُعرف اليوم بالحرب المتمحورة حول القرار.

في هذا النموذج، لا يتحقق الانتصار عبر المواجهة المباشرة أو الاستعراض العسكري، بل من خلال خلق بيئة تجعل أي قرار مضاد من جانب الخصم إما مستحيل التنفيذ، أو غير عقلاني سياسيًا، أو مكلفًا إلى درجة تُفقده جدواه. وهكذا، يصبح غياب الاشتباك بحد ذاته أحد مؤشرات النجاح، لا علامة ضعف أو تردّد.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع يناير/كانون الثاني 2026 باعتباره ذروة مسار سياسي–أمني متكامل، سبقته عملية أميركية عالية الكثافة على المستوى المعلوماتي، عُرفت باسم «عملية العزم المطلق». وقد جرى تقديم العملية رسميًا بوصفها إعادة تفعيل لمبدأ مونرو، بعد إعادة صياغته ضمن ما سُمّي بـ«ملحق ترامب»، في سياق أوسع يستهدف استعادة أولوية القرار الأميركي في نصف الكرة الغربي، في مواجهة تمدد النفوذ الروسي والصيني.

وتكشف هذه العملية كيف لم تعد العقائد الكلاسيكية مجرّد مرجعيات تاريخية، بل أدوات قابلة لإعادة التوظيف ضمن بنى استراتيجية حديثة، تعتمد على تكامل الاستخبارات التقنية والبشرية، والعمل السري المنسّق، والتنسيق بين مؤسسات أمنية متعددة، بما في ذلك وكالات مدنية ذات طابع تنفيذي مثل إدارة مكافحة المخدرات الأميركية. وفي هذا السياق، لا تكون القوة العسكرية هي الواجهة الأولى للفعل السياسي، بل تأتي في المرتبة الخلفية، كضامن أخير لميزان قوى جرى حسمه مسبقًا على مستوى القرار.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى «عملية العزم المطلق» بوصفها ترجمة عملياتية مباشرة للمبادئ التي كرّستها استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025، والتي رفعت أولوية القرار، والعمل الاستباقي قبل لحظة الانفجار (Left-of-Bang)، والهيمنة المعلوماتية، إلى مرتبة الركائز المركزية للصراع المعاصر. فالتدخل هنا لا يستهدف مواجهة قرار الخصم بعد اتخاذه، بل تعطيل تشكّله أصلًا داخل دورته الإدراكية والمؤسسية، بما يمنع تحوّله إلى فعل سياسي أو عسكري قابل للتنفيذ.

وعليه، لا تعكس العملية نموذجًا تقليديًا لتغيير الأنظمة، ولا مجرّد استعراض للقوة، بل تمثل استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على تعطيل سيادة القرار لدى الخصم على نحو منهجي. ومن خلال الحالة الفنزويلية، يمكن قراءة هذا التطور بوصفه مؤشرًا على تحوّل أعمق في طبيعة الحرب خلال القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد المواجهة صدامًا مباشرًا بين قوى متكافئة، بل منافسة غير متناظرة بين بُنى اتخاذ القرار نفسها.

من التفوّق المعلوماتي إلى الهيمنة المنظومية

لم تكن الحرب في أي مرحلة من تاريخها مجرّد صراع مادي صرف. وقد لخّص صن تزو هذه الحقيقة مبكرًا حين اعتبر أن ذروة التفوّق تكمن في كسر إرادة الخصم دون قتال. ما يميّز الصراعات المعاصرة هو أن هذا المبدأ بات يجد ترجمة تكنولوجية ومنظومية متكاملة، تتجاوز منطق الاشتباك التقليدي.

فالعمليات العسكرية الحديثة لم تعد تتبع تسلسلًا خطيًا من الكشف ثم الاشتباك ثم التدمير، بل باتت تقوم على معماريات معقّدة يكون فيها جمع المعلومات، ودمجها، واستثمارها، هو مركز الثقل الحقيقي للقوة. ولم تعد منظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات والاستطلاع (C4ISR) مجرد أدوات مساندة للفعل القتالي، بل أصبحت الإطار الذي يُشكِّل المجال العملياتي برمّته، ويحدّد ما يمكن وما لا يمكن فعله.

وبناءً على ذلك، لم يعد التفوّق العسكري يُقاس بعدد المنصّات أو حجم النيران، بل بالقدرة على التحكم في تدفّقات المعلومات، وتنسيق التأثيرات عبر مجالات متعددة، وفرض إيقاع استراتيجي يعجز الخصم عن استيعابه أو مجاراته. وقد أكّدت حملات عسكرية سابقة — مثل كوسوفو (1999)، والعراق (2003)، وليبيا (2011) — هذا المسار، حيث سبق انهيار منظومات القيادة والتوجيه حالةَ التدمير المادي الواسع، بل جعلها في بعض الأحيان مسألة ثانوية.

من السيطرة على المنصّات إلى التحكم في نقاط الحسم

يعيد هذا التحوّل إلى الأذهان ما ذهب إليه أنطوان هنري جوميني حين أكّد أن جوهر الحرب يكمن في تحديد نقاط الحسم والسيطرة عليها. غير أن الفارق الجوهري اليوم هو أن هذه النقاط لم تعد جغرافية أو عسكرية بحتة، بل أصبحت معلوماتية وقرارية في المقام الأول.

فميدان الصراع لم يعد يقتصر على الأرض أو الجو أو البحر، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتمثل في قدرة الدولة على فهم محيطها، وتنظيم فعلها، واتخاذ القرار في الوقت المناسب. ومن هنا، يصبح تعطيل منظومة القرار — لا تدمير القدرات — هو الهدف الاستراتيجي الأعلى.

الهرمية المعاصرة للتفوّق العسكري

تكشف الصراعات الحديثة عن هرم وظيفي جديد للتفوّق العسكري. في قاعدته تقف منظومات C4ISR، التي تجعل البيئة الاستراتيجية قابلة للفهم والاستثمار. وفوقها تأتي الحرب متعددة المجالات، التي تربط بين الجو والبر والبحر والفضاء والسيبر والمجال الكهرومغناطيسي، في شبكة واحدة متصلة من التأثيرات المتزامنة.

غير أن الاتصال وحده لا يكفي. إذ تمثل الحرب الإدراكية المستوى الأعلى في هذا الهرم، حيث يُستهدف وعي الخصم، وإدراكه، وإطاره الذهني لصنع القرار. وهنا يتجدد ما أشار إليه كارل فون كلاوزفيتز بشأن البعد المعنوي للحرب، والذي غالبًا ما يكون أكثر حسماً من القوة المادية نفسها.

فالتشويش، والخداع، وإغراق الفضاء المعلوماتي، والعمليات السيبرانية–الكهرومغناطيسية، لا تهدف بالضرورة إلى إحداث عمى كامل، بل إلى خلق حالة مستدامة من الغموض والشك، تُفضي في النهاية إلى التردّد والشلل، وتعطيل القدرة على اتخاذ القرار في لحظته الحرجة.

الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس تطورًا تكتيكيًا في أدوات الحرب، بل تحوّلًا بنيويًا في معناها ذاته. فالحرب لم تعد صدامًا بين جيوش، بل صراعًا بين أنظمة تفكير، ومنظومات قرار، وقدرات على الفهم والتنسيق والسيطرة. وفي هذا الإطار، يصبح الانتصار مرادفًا للقدرة على حرمان الخصم من حقه السيادي في القرار، قبل أن يُتاح له حتى التفكير في استخدام القوة.

 

كلمات مفتاحية: فنزويلا الولايات المتحدة