الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي: بين التعاون والتشظي في التجارة العالمية
وصل نظام التجارة الدولية المعاصر إلى منعطف حاسم، بات فيه المنطق الاقتصادي يتراجع أمام الاعتبارات الجيوسياسية. فالعلاقات بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي لا تحدد مسارات تدفق السلع فحسب، بل تؤثر أيضًا في أسس الاستقرار العالمي. وقد شهد عام 2026 تصاعدًا في حدة التوترات، كاشفًا عن تناقضات عميقة بين خطاب التعاون المعلن وواقع السياسات الحمائية.
وسيُذكر عام 2025 بوصفه فترة شهدت تصعيدًا غير مسبوق للحواجز الجمركية. فقد فرضت إدارة ترامب الثانية رسومًا جمركية بلغت مستويات هددت التجارة الثنائية. وفي مايو، توصل الطرفان إلى هدنة لمدة 90 يومًا، ثم جرى في نوفمبر، خلال اجتماعات دافوس، تمديد تخفيضات الرسوم الجمركية حتى نوفمبر 2026. ويؤكد المحللون أن استقرار العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمثل ركيزة أساسية لحماية سلاسل الإمداد العالمية.
غير أن بيانات الربع الأول من عام 2026 تكشف عن تحولات واضحة؛ إذ تراجعت التجارة بين الولايات المتحدة والصين بنسبة 16.6% إلى 128.68 مليار دولار، في حين ارتفعت تجارة الصين مع رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» بنسبة 18.4%، ومع الاتحاد الأوروبي بنسبة 17.6%. وعلى الرغم من هذه الاضطرابات، لم تتغير الطبيعة التكاملية الأساسية بين هذه الاقتصادات. وفي هذا السياق، أشار كارلوس غوتيريز، وزير التجارة الأمريكي الأسبق، إلى أن نجاح الطرفين في وضع إطار للتعايش بينهما يمكن أن يشكل نموذجًا للنظام العالمي.
الصمود والتشظي: الشركات الصينية في مواجهة الرسوم الجمركية والجغرافيا السياسية والالتزام طويل الأمد بالسوق الأمريكية
وفقًا لتقرير الغرفة التجارية الصينية العامة في الولايات المتحدة لعام 2026، أفادت 79% من الشركات الصينية العاملة في الولايات المتحدة بأن الرسوم الجمركية أثرت سلبًا في عملياتها. وتمثلت أبرز التداعيات في ارتفاع تكاليف الاستيراد بنسبة 39%، وتقلص هوامش الربح بنسبة 27%، واضطرابات سلاسل الإمداد بنسبة 24%.
كما أثرت حالة عدم اليقين المرتبطة بالرسوم الجمركية في القرارات الاستثمارية، إذ أرجأت 12% من الشركات خطط التوسع أو قلصتها. وكان الاتجاه الأكثر لفتًا للانتباه هو ما يمكن وصفه بـ«الحفاظ على الوضع القائم»، حيث أفادت 73% من الشركات بعدم إجراء أي تغييرات على استثماراتها، مقارنة بـ53% في العام السابق.
ومع ذلك، تكشف الأمثلة العملية عن متانة التعاون الاقتصادي. فقد استوردت شركة «فوجيان تشونغجينغ للبتروكيماويات» 308 آلاف طن متري من البروبان من الولايات المتحدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بما يمثل 34.8% من إجمالي وارداتها. كما سجلت شركة «JAC Auto Parts» نموًا سنويًا بنسبة 30% في صادراتها إلى الولايات المتحدة، لتصل قيمتها إلى 40 مليون يوان. وأكد يانغ ويغو من شركة JAC أن سوقي السيارات في الصين والولايات المتحدة لا تزالان متكاملتين، وأن استقرار العلاقات بين البلدين ضروري لتحقيق التنمية.
ورأت 55% من الشركات أن ظروف الأعمال تدهورت خلال عام 2025، بينها 21% اعتبرت أن التدهور كان كبيرًا. ومع ذلك، أظهرت الشركات الصينية قدرة ملحوظة على التكيف؛ إذ حققت 33% منها نموًا في الإيرادات، فيما حافظت 81% على الربحية.
وفي المقابل، انخفضت نسبة التقييمات الإيجابية لبيئة الأعمال إلى 9%، وهو أدنى مستوى منذ الفترة 2018–2020. وكان من اللافت بصورة خاصة ارتفاع نسبة الشركات ذات هوامش الربح المرتفعة؛ إذ زادت نسبة الشركات التي تتجاوز هوامش أرباحها قبل الفوائد والضرائب 15% من 7% عام 2024 إلى 21% عام 2025، وهو أعلى مستوى في تاريخ المسح، ما يعكس مرونة تشغيلية لدى الشركات القادرة على توظيف مزاياها التنافسية. وفي الوقت نفسه، شهدت 27% من الشركات تراجعًا في الإيرادات، بما يشير إلى حالة متزايدة من الاستقطاب في الأداء.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، بلغت الرغبة في إعادة الاستثمار مستوى قياسيًا قدره 79%. فقد خطط نصف الشركات لإعادة استثمار كامل أرباحها في الولايات المتحدة، فيما تعتزم 29% أخرى إعادة استثمار الجزء الأكبر منها. ويعكس ذلك التزامًا طويل الأمد بالسوق الأمريكية رغم تصاعد الحواجز.
وتكشف أهداف الشركات عن توجه دفاعي متزايد؛ إذ جاء هدف «إعادة بناء الأعمال القائمة وتطويرها» في المرتبة الأولى بنسبة 61%، متقدمًا على هدف «تحسين الربحية» الذي كان يتصدر الأولويات سابقًا. وفي المقابل، اختارت 6% من الشركات «الخروج من السوق الأمريكية»، بعدما لم تسجل أي شركة مثل هذا التوجه في عام 2025.
ووفقًا لتقرير الغرفة التجارية الصينية العامة لعام 2026، اعتبرت 82% من الشركات أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي تمثل العقبة الرئيسية أمام بناء العلامات التجارية، بفارق كبير عن بقية التحديات.
ويتخذ حضور العلامات التجارية الصينية شكلًا «هرميًا»؛ إذ أقرت 70% من الشركات بأنها لم تصل بعد إلى مستوى العلامات التجارية السائدة في السوق الأمريكية، فيما أفادت 69% بأن شهرتها تتركز أساسًا داخل دوائر الأعمال الصينية. كما تمكن أقل من 30% منها من دخول المنافسة الفعلية مع العلامات التجارية المحلية.
وتشير الشركات إلى أن المستهلكين يولون أهمية خاصة للقيمة مقابل السعر بنسبة 76%، وجودة المنتجات وسلامتها بنسبة 59%. وفي بناء سردية العلامة التجارية، تتصدر جودة المنتج بنسبة 68%، تليها الشراكة مع الأطراف المحلية بنسبة 43%، ثم الإسهام في توفير فرص العمل بنسبة 38%، في حين لا تزال العناصر العاطفية بنسبة 23% والابتكار المحلي بنسبة 25% أقل حضورًا.
وترى الشركات أن أكثر الوسائل فاعلية في بناء الثقة تتمثل في إقامة شراكات مع الشركات الأمريكية بنسبة 62%، والتميز في جودة المنتجات بنسبة 62%، والتأكيد على توفير فرص العمل المحلية بنسبة 59%.
وبالنظر إلى المستقبل، يُتوقع أن يكون التأثير الأكبر من نصيب خفض المخاطر الجيوسياسية بنسبة 54%، والتسويق المدعوم بالذكاء الاصطناعي بنسبة 49%، وتعزيز قيمة العلامة التجارية بنسبة 38%. وعمليًا، تخطط الشركات لزيادة استثماراتها في التسويق الرقمي بنسبة 41%، وتوسيع صلاحيات اتخاذ القرار للوحدات العاملة في الولايات المتحدة بنسبة 33%.
وتظل حالة عدم اليقين في الاقتصاد الكلي الأمريكي بنسبة 70%، والتوترات الثنائية بنسبة 64%، والاحتكاكات التجارية بنسبة 56% أبرز التحديات. ويأتي «التضخم وعدم الاستقرار» في صدارة المخاوف، ولا سيما في ظل الصراع في الشرق الأوسط الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو الثلث.
تصاعد الحروب التجارية والتشظي التنظيمي: مثلث الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين عند مفترق طرق بين السياسة الصناعية والانفصال التكنولوجي
في 2 مايو 2026، أعلن الرئيس ترامب عزمه رفع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية من 10% إلى 25%، متهمًا الاتحاد الأوروبي بعدم الالتزام باتفاق «تيرنبيري» المبرم في يوليو 2025. وقال ترامب إن الرسوم الجديدة ستجبر الاتحاد الأوروبي على تسريع نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة، بما يكشف عن الهدف الفعلي للسياسة، والمتمثل في فرض إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة.
وفي الوقت الراهن، تخضع معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة لرسوم جمركية بنسبة 10%، فُرضت بعدما أبطلت المحكمة العليا رسومًا بنسبة 15%، معتبرة أن الرئيس لا يمتلك السلطة اللازمة لفرضها.
وكان اتفاق «تيرنبيري» نفسه مثيرًا للجدل؛ إذ نص على فرض رسوم صفرية على الصادرات الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل رسوم بنسبة 15% على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، إلى جانب اشتراطات تتعلق بنقل الإنتاج.
وفي 7 مايو، حاول البرلمان الأوروبي والرئاسة القبرصية التوصل إلى الصيغة النهائية لاتفاق، لكن من دون تحقيق اختراق. ولا تزال الدول الأعضاء منقسمة؛ إذ يطالب البرلمان بضمانات تجعل تخفيض الرسوم مشروطًا بالتزام الولايات المتحدة بتعهداتها، إلى جانب بند لانتهاء الاتفاق في مارس 2028. وتؤيد فرنسا إدراج هذه الضمانات، في حين تفضل الكتلة التي تقودها ألمانيا الإبقاء على الاتفاق بصيغته الحالية.
ووصف بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، رفع الرسوم بأنه «غير مقبول»، معتبرًا أن الولايات المتحدة «تنتهك التزاماتها باستمرار». فيما أكد كيرياكوس بيراكاكيس أن أوروبا مستعدة للرد، مع بقاء الحوار خيارها المفضل.
وقد يؤثر أي تصعيد محتمل في تجارة تبلغ قيمتها نحو تريليوني دولار سنويًا. ومن شأن فرض رسوم بنسبة 25% أن يوجه ضربة خاصة إلى شركات صناعة السيارات الألمانية الفاخرة، مثل فولكس فاغن وبي إم دبليو ومرسيدس وبورشه. وهذا يضع الصناعة الأوروبية أمام خيار بالغ الصعوبة: فنقل الإنتاج ينطوي على تكاليف هائلة وخسائر في الكفاءة، بينما قد يؤدي الإبقاء على الإنتاج في أوروبا مع تحمل رسوم بنسبة 25% إلى فقدان السيارات قدرتها التنافسية.
وفي الوقت الذي يدافع فيه الاتحاد الأوروبي عن نفسه في مواجهة الرسوم الأمريكية، فإنه يعد بدوره تدابير خاصة به تجاه الصين. إذ يُدخل التعديل المقترح لقانون الأمن السيبراني «CSA2» مفهوم «التهديدات غير التقنية»، بما يسمح باستبعاد الموردين من 18 قطاعًا رئيسيًا استنادًا إلى معايير واسعة.
ويحذر تقرير صادر في 7 مايو 2026 عن غرفة التجارة الصينية لدى الاتحاد الأوروبي وشركة KPMG من أن هذه اللوائح قد تكلف الاقتصاد الأوروبي 367.8 مليار يورو على مدى خمس سنوات، وهو مبلغ يعادل تقريبًا ميزانية الاتحاد الأوروبي لعامين.
وستتحمل ألمانيا العبء الأكبر بنحو 170.8 مليار يورو، تليها فرنسا بـ46.3 مليار يورو، ثم إيطاليا بـ36.5 مليار يورو. ووصف ليو جياندونغ، رئيس غرفة التجارة الصينية لدى الاتحاد الأوروبي، هذه المعايير بأنها تتعارض مع مبادئ المساواة وعدم التمييز.
ويشير التقرير إلى أن عمليات الاستبعاد قد تنتهك اتفاقيات الاستثمار الثنائية ومبادئ منظمة التجارة العالمية، بما قد يفتح الباب أمام مطالبات قانونية ونزاعات. كما أن الاستبدال القسري للموردين لن يعزز بالضرورة الأمن السيبراني، بل قد يحول ميزانيات الابتكار إلى تغطية تكاليف استبدال البنية التحتية، ويزيد الأعباء المالية ويرفع الأسعار على المستهلكين.
وفي قطاع الطاقة، قد يؤدي ذلك إلى تأخير التحول في مجال الطاقة، وفي النقل إلى إبطاء جهود إزالة الكربون، وفي الاتصالات إلى زيادة تكاليف شبكات الجيل الخامس. وحذرت وزارة التجارة الصينية من أن هذه القرارات ستضعف الثقة، وتضر بالتعاون، وتقوض استقرار سلاسل الإمداد.
كما يشير «قانون تسريع الصناعة» (IAA)، الذي يتضمن اشتراطات منشأ تحت شعار «صُنع في الاتحاد الأوروبي» ويفرض متطلبات محددة على المركبات – من بينها أن يتم تجميعها داخل الاتحاد الأوروبي، وأن تكون 70% على الأقل من قيمة مكوناتها ذات منشأ أوروبي، وأن تُنتج خلايا البطاريات داخل الاتحاد – بوضوح إلى توجه نحو تبني حلول تقوم على مبدأ «في أوروبا من أجل أوروبا».
وفي 23 أبريل 2026، قدمت وزارة التجارة الصينية رسميًا ملاحظاتها إلى المفوضية الأوروبية، معربة عن مخاوف جدية بشأن القانون. واعتبرت الصين أن التشريع يتضمن اشتراطات تمييزية تتعلق بالمنشأ وقيودًا على الاستثمار الأجنبي تؤثر بصورة غير متناسبة في الشركات الصينية.
وحذرت الوزارة من أن قرارات الاتحاد الأوروبي ستدفعها إلى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحقوق والمصالح المشروعة لشركاتها.
وأظهرت نتائج مراقبة سوق الواردات الأوروبية خلال الربع الأول من عام 2026 ارتفاع الواردات من الصين، ولا سيما في قطاعات المنسوجات والمواد الكيميائية والمعادن. وكان مجلس الاتحاد الأوروبي قد قرر في عام 2025 إخضاع جميع الشحنات الصغيرة القادمة من دول خارج الاتحاد، اعتبارًا من 1 يوليو 2026، لرسم جمركي ثابت قدره 3 يوروهات.
وتطبق اللوائح الجديدة على الطرود التي تقل قيمتها عن 150 يورو، وستشمل نحو 93% من إجمالي تدفقات التجارة الإلكترونية إلى الاتحاد الأوروبي. ويُعد هذا الرسم مؤقتًا، وسيظل ساريًا حتى تطبيق النظام الجمركي الأوروبي المستهدف، المتوقع بدء العمل به اعتبارًا من عام 2028.
وبدلًا من استنزاف الجهود في المناوشات الجمركية، ينبغي للأطراف المعنية التركيز على التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرائدة. فالمصالح المشتركة في الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، والبيانات الضخمة، والحوسبة الكمية، وشبكات الجيل السادس، والروبوتات، والتحول الأخضر، والتكنولوجيا الحيوية، تمثل عناصر بالغة الأهمية للتنمية العالمية.
وفي ظل تحديات مثل تغير المناخ وأمن الطاقة والأوبئة، يصبح التعاون التكنولوجي ضرورة لا خيارًا. غير أن الواقع يكشف عن اتجاه معاكس نحو التشظي؛ إذ تؤدي ضوابط تصدير أشباه الموصلات، والقيود المفروضة على الذكاء الاصطناعي، واستبعاد الشركات، إلى إنشاء منظومات تكنولوجية متوازية قد تكون أقل كفاءة وأكثر تكلفة.
وقد يؤدي تكرار جهود البحث والتطوير، وتشتت المعايير، وتقييد حركة الكفاءات والمواهب، إلى إبطاء وتيرة التقدم العالمي. ويبرز تطوير شبكات الجيلين الخامس والسادس مثالًا واضحًا على ذلك. فقد حققت شركات صينية مثل هواوي وZTE تقدمًا ملحوظًا وتقدم أسعارًا تنافسية، لكنها تتعرض للاستبعاد من الأسواق الغربية. وهذا يدفع الدول نحو بدائل أعلى تكلفة، بما يؤخر عمليات نشر الشبكات.
وفي الوقت نفسه، تطور الصين معاييرها الخاصة، ما يدفع العالم نحو منظومتين قد تصبحان غير متوافقتين.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تهدف القيود المفروضة على تصدير شرائح وحدات معالجة الرسومات المتقدمة إلى إبطاء تطور القدرات الصينية. غير أن التاريخ يبين أن القيود قد تحفز الابتكار المحلي وتقود إلى مزيد من الاستقلال التكنولوجي. وقد زادت الصين بالفعل استثماراتها في إنتاج أشباه الموصلات محليًا وفي تطوير هياكل حوسبة بديلة.
ومن المفارقات أنه في الوقت الذي تفرض فيه الحكومات مزيدًا من الحواجز، تواصل الشركات البحث عن فرص للتعاون. ومن المرجح أن يشكل هذا التباين بين السياسات الحكومية ومصالح قطاع الأعمال مستقبل المشهد التكنولوجي العالمي.
بين التعاون والتشظي: المستقبل الاستراتيجي للمثلث الاقتصادي الأمريكي–الصيني–الأوروبي
يكشف تحليل مثلث الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي عن تناقض جوهري: فالمنطق الاقتصادي والاعتماد المتبادل يفرضان التعاون، بينما تدفع الاعتبارات السياسية نحو التشظي. وقد بلغت حدة هذا التناقض مستوى يهدد الاستقرار العالمي، ما يستدعي إعادة النظر في الافتراضات التي يقوم عليها نظام التجارة الدولية.
وتشير النتائج الرئيسية إلى عدة اتجاهات. فعلى الرغم من التصعيد، لم تتغير الطبيعة التكاملية الأساسية بين هذه الاقتصادات. ولا تزال الصين تمثل مركزًا أساسيًا للتصنيع والابتكار بالنسبة إلى الشركات الغربية، في حين يظل الوصول إلى الأسواق الغربية أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الصين.
ورغم انخفاض التجارة بين الولايات المتحدة والصين بنسبة 16.6%، فإنها لا تزال تبلغ 128.68 مليار دولار كل ثلاثة أشهر، وهو ما يعكس عمق التكامل الاقتصادي بين البلدين.
كما تُظهر الشركات قدرًا كبيرًا من المرونة والقدرة على التكيف. فالمستويات القياسية لإعادة الاستثمار، رغم تدهور ظروف الأعمال، تعكس التزامًا طويل الأمد. وفي الوقت ذاته، أصبحت الحمائية تحت مظلة الأمن القومي أداة مهيمنة في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بما يهدد النظام التجاري متعدد الأطراف.
ويُظهر تعديل قانون الأمن السيبراني «CSA2»، الذي تقدر تكلفته بنحو 367.8 مليار يورو، والتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على السيارات، أن التشظي امتد حتى إلى العلاقات عبر الأطلسي، بما يخلق دوامة متصاعدة من الإجراءات المضادة.
ويشير غياب أدلة فنية قابلة للتحقق بشأن التهديدات التقنية إلى تغلب الاعتبارات السياسية على العقلانية الاقتصادية. كما أن تصعيد الرسوم الجمركية بات يُستخدم أداة للضغط وفرض نقل الإنتاج، بدلًا من كونه استجابة لانتهاكات محددة.
وتتسم تكاليف التشظي بعدم التكافؤ. فالحمائية ليست لعبة صفرية يفوز فيها طرف بما يخسره آخر؛ بل يخسر الجميع، وإن بدرجات متفاوتة. وقد تكون اقتصادات الاتحاد الأوروبي الأصغر أكثر عرضة للضغوط، بما قد يضعف تماسك التكتل.
وفي الوقت نفسه، يضع الضغط المتزامن من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الشركات الصينية أمام تحد غير مسبوق يتمثل في التعامل مع بيئات تنظيمية متعددة. ولا يتطلب ذلك موارد إضافية فحسب، بل يستدعي أيضًا إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات العالمية وكيفية تخصيص الموارد.
ولا تزال الآفاق غير مؤكدة. فمن جهة، توفر الإشارات الصادرة من دافوس والهدنة الجزئية بعض الأمل في تحقيق الاستقرار. كما أن زيارات قادة الأعمال الأمريكيين والأوروبيين، والتصريحات المؤيدة للتعاون، تشير إلى ممارسة مجتمعات الأعمال ضغوطًا على صانعي السياسات لتبني نهج أكثر براغماتية.
ومن جهة أخرى، تجعل التوترات الجيوسياسية الهيكلية، والتنافس التكنولوجي، وعدم اليقين بشأن مستقبل النظام العالمي، التخطيط طويل الأمد أكثر تعقيدًا.
وبالنسبة إلى الشركات، يصبح اعتماد استراتيجيات تحقق التوازن بين المخاطر السياسية وأهداف الأعمال أمرًا بالغ الأهمية. وتشكل زيادة توطين الأنشطة، وتنويع سلاسل الإمداد، وبناء الشراكات المحلية، ركائز أساسية لتعزيز القدرة على الصمود مستقبلًا. وستتمتع الشركات القادرة على التعامل بفاعلية مع هذه البيئة بميزة تنافسية واضحة.
وتكتسب القدرة على التكيف السريع أهمية خاصة. وينبغي للشركات الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر التي تتيح توقع التغييرات التنظيمية. كما يمكن أن يوفر بناء علاقات مع الأطراف المحلية المعنية – من سلطات ومجتمعات وشركاء – هوامش حماية إضافية. ويمكن للتنويع الجغرافي بدوره أن يقلل الاعتماد على مناطق بعينها ويعزز القدرة على مواجهة الصدمات.
أما بالنسبة إلى صانعي السياسات في واشنطن وبكين وبروكسل، فمن الضروري إدراك أن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن بناؤه على الإقصاء المتبادل. وينبغي أن يحل الحوار العقلاني، والمعايير التقنية الشفافة، وآليات التحقق المتبادل وتسوية النزاعات، محل المعايير السياسية التعسفية.
ويُظهر التاريخ أن الحمائية نادرًا ما تحقق أهدافها المرجوة، وغالبًا ما تفضي إلى نتائج غير مقصودة تضر بجميع الأطراف. ولذلك، ثمة حاجة إلى أطر جديدة للتعاون تعترف بالمخاوف الأمنية المشروعة، لكنها تحول دون إساءة استخدامها لأغراض حمائية.
ويكتسب التعاون في مواجهة التحديات العالمية أهمية ملحة بصفة خاصة. فتغير المناخ، والأمن الصحي، والأمن السيبراني، والأمن الغذائي، تحديات لا تعترف بالحدود وتتطلب استجابات منسقة. ويعيق التشظي التكنولوجي هذا التعاون وقد يبطئ التقدم. كما سيكون التحول الأخضر أكثر تكلفة وأبطأ إذا جرى تنفيذه داخل منظومات وطنية أو إقليمية منعزلة.
ويبقى السؤال: هل يمتلك القادة الرؤية والشجاعة اللازمتين لتقديم الاستقرار طويل الأمد على المكاسب السياسية قصيرة الأجل؟ وهل ستنجح مجتمعات الأعمال في التعبير بفاعلية عن مصالحها والتأثير في السياسات التجارية؟ وهل ستستعيد الآليات متعددة الأطراف أهميتها في تنظيم التجارة العالمية؟
ستحدد الإجابات عن هذه الأسئلة مستقبل التجارة، وكذلك مستقبل التعاون العالمي في مواجهة التحديات المشتركة للقرن الحادي والعشرين.
لقد أظهر عام 2026 أن العالم يقف عند مفترق طرق بين التشظي وتجديد الالتزام بالتعاون القائم على القواعد. وستكون للخيارات التي تُتخذ خلال السنوات المقبلة تداعيات تمتد لعقود، وستحدد ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيتجه نحو مزيد من التكامل والكفاءة، أم نحو مزيد من التشظي وانخفاض الكفاءة.
وفي عصر يتسم بالاستقطاب السياسي والتوترات الجيوسياسية، قد تصبح القدرة على بناء الجسور من خلال الجودة والشفافية والانخراط المحلي أهم مورد استراتيجي للشركات التي تعمل على المستوى العالمي.
نُشر المقال في الأصل على موقع «Eurasia Review».
