بث تجريبي

هل «أعادت» الولايات المتحدة غرينلاند إلى الدنمارك كما يزعم ترامب؟

تقارير وملفات

كتب: ريكه ليه هالبرغ

عندما بدأت ألمانيا النازية احتلال الدنمارك في نيسان/أبريل 1940، وجدت غرينلاند نفسها فجأة معزولة عن القوة الاستعمارية التي كانت تحكمها، ومنتقلة إلى قلب الاستراتيجية الحربية في شمال الأطلسي. عندها تولّت الولايات المتحدة مؤقتًا السيطرة على غرينلاند، وأقامت فيها قواعد ومحيطات دفاعية لمنع ألمانيا من استخدام الجزيرة.

بعد أكثر من 80 عامًا، استحضر دونالد ترامب تلك اللحظة خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ففي خطابه بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير، ادعى الرئيس الأميركي أن بلاده «أعادت غرينلاند» إلى الدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية، ملمّحًا إلى أن هذا التاريخ يمنح الولايات المتحدة حقًا قائمًا في غرينلاند حتى اليوم.

غير أن هذا الادعاء يقوم على قراءة انتقائية للتاريخ زمن الحرب، ويعكس في الوقت ذاته طريقة تفكير استعمارية وإمبراطورية في مفاهيم الأرض والسيادة والملكية. ولتبيّن لماذا يُعد هذا الزعم مضللًا، لا بد من تتبّع سلسلة الاتفاقيات التي نظّمت وضع غرينلاند قبل الحرب وأثناءها وبعدها.

في عام 1916، باعت الدنمارك مستعمرتها الكاريبية، جزر الهند الغربية الدنماركية، إلى الولايات المتحدة (التي أصبحت تُعرف لاحقًا بجزر العذراء الأميركية). وتضمّنت الاتفاقية نفسها إعلانًا أميركيًا صريحًا بعدم الاعتراض على توسيع الدنمارك «مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل كامل غرينلاند». وهكذا، وبينما جرى نقل السيادة على مستعمرة، أُعيد تأكيد السيادة على أخرى.

لكن ظروف الحرب العالمية الثانية والاحتياجات الاستراتيجية الأميركية أدت إلى اتفاق جديد بين الدنمارك والولايات المتحدة، سمح للأخيرة بتولي مسؤولية الدفاع عن غرينلاند. وقد جرى تقنين هذا الترتيب في اتفاقية الدفاع عن غرينلاند عام 1941، التي صاغتها وزارة الخارجية الأميركية ووقّعها هنريك كوفمان، المبعوث الدنماركي في واشنطن.

ونصّت الاتفاقية بوضوح على أن الحكومة الأميركية «تعترف اعترافًا كاملًا بسيادة الدنمارك» على غرينلاند، مضيفة أن الولايات المتحدة «مدفوعة بأسمى مشاعر الصداقة تجاه الدنمارك، وتعتقد أن هذه الخطوات تهدف إلى صون إعادة العلاقة الطبيعية بين غرينلاند ومملكة الدنمارك في نهاية المطاف».

فعليًا، قامت الولايات المتحدة بالدفاع عن غرينلاند خلال الحرب، فأنشأت مدارج للطائرات ومنشآت عسكرية، ونفذت دوريات، ودمجت الجزيرة في منظومة الإمداد اللوجستية للحلفاء.

وفي عام 1945، وبعد انتهاء الحرب، بعث كوفمان مذكرة دبلوماسية إلى الولايات المتحدة، أكد فيها أن ذلك كان مصدر ارتياح كبير للشعب الدنماركي» أن تتاح للدنمارك «فرصة الإسهام في المجهود الحربي عبر وضع أراضٍ دنماركية في تصرف الولايات المتحدة في القتال ضد العدو المشترك. وأضاف أن الدنمارك لا ترغب «في تلقي أي مقابل» لقاء استخدام الجيش الأميركي لغرينلاند خلال الحرب، مؤطرًا هذا التعاون باعتباره مساهمة طوعية، ومجددًا التأكيد على السيادة الدنماركية.

لاحقًا، تُرجم هذا الترتيب الحربي إلى علاقة أمنية في زمن السلم. ففي عام 1951، وبعد أن أصبحت الدنمارك والولايات المتحدة حليفين رسميين في إطار الأمم المتحدة وحلف الناتو، أبرم البلدان اتفاقية دفاع جديدة منحت الولايات المتحدة حقوقًا عسكرية واسعة ودائمة في غرينلاند، ولكن ضمن سياق تحالف سياسي في زمن السلم.

وقد مثّل هذا العصر تثبيتًا قانونيًا للوجود الأميركي في غرينلاند، الذي بدأ كاستثناء حربي. وشمل ذلك إنشاء قواعد مثل قاعدة ثولي الجوية (المعروفة اليوم باسم قاعدة بيتوفيك الفضائية)، التي أصبحت حجر زاوية في الاستراتيجية الأميركية في القطب الشمالي، ولا تزال القاعدة الأميركية الوحيدة النشطة في غرينلاند حتى اليوم. لكن إنشاء هذه القاعدة وتوسيعها استلزما التهجير القسري للسكان المحليين من الإينويت عام 1953. وقد اعترف القضاء الدنماركي لاحقًا بعدم عدالة هذا الإجراء، ما أدى إلى دفع تعويضات من الدولة الدنماركية عام 1999.

تشابكات استعمارية

أسهمت هذه الترتيبات في تثبيت السيادة الدنماركية على غرينلاند وتعزيز أمن الجزيرة، لكنها في المقابل تركت العلاقة الاستعمارية ذاتها من دون مراجعة حقيقية. ففي عام 1953، وضمن سياق صعود معايير الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار، رُفع الوضع الاستعماري لغرينلاند رسميًا، ودُمج الإقليم في الدولة الدنماركية. وقد سمح هذا التحول الإداري للدنمارك بتقديم علاقتها بغرينلاند بوصفها علاقة «ما بعد استعمارية»، من دون الانخراط في مراجعة أعمق للإرث السياسي والثقافي والاقتصادي للاستعمار. ويمكن فهم الإصلاحات اللاحقة بوصفها محاولات متأخرة لمعالجة هذه العلاقة غير المحسومة. ومن هذه الإصلاحات نظام الحكم الذاتي عام 1979، الذي نقل معظم شؤون الإدارة الداخلية من كوبنهاغن إلى برلمان غرينلاندي، ثم نظام الحكم الذاتي الموسّع عام 2009، الذي عزز الاستقلال السياسي واعتراف القانون الدولي بالغرينلانديين شعبًا متميزًا.

وتبرز التطورات الأخيرة مدى حداثة مشاركة الغرينلانديين في تقرير شؤونهم. فمشاركة وزيرة خارجية غرينلاند، فيفيان موتسفيلدت، في محادثات رفيعة المستوى في واشنطن خلال كانون الثاني/يناير، تمثل قطيعة واضحة مع ممارسات سابقة، كان يُتفاوض فيها على مستقبل غرينلاند الاستراتيجي من دون حضور ممثليها.

في هذا السياق، يسلّط إحياء ترامب للغة الإمبراطورية القائمة على «الملكية» الضوء على التباين بين أنماط تفكير استعمارية قديمة، ومحاولات ناشئة لإشراك الأصوات السياسية الغرينلاندية في النقاش حول مستقبلهم. وهنا، لم تعد المعركة تدور حول الماضي وحده، بل حول من يملك الحق في الجلوس إلى طاولة النقاش بشأن المستقبل.