بث تجريبي
د. طه علي أحمد

إعادة تشكيل السلطة وصراعات الهوية في سوريا الجديدة

آراء حرة - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

تشهد سوريا على مدار السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا غيّر مسار الصراع جذريًا، فبعد سنوات من التآكل العسكري والسياسي، تلقّى النظام السوري دفعة حاسمة مكّنته من استعادة مدن استراتيجية مثل تدمر وحلب، بدعم جوي روسي مباشر وإسناد ميداني من إيران والميليشيات الحليفة لها. وفي الوقت ذاته، كانت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية، تُنهي السيطرة الإقليمية لتنظيم الدولة الإسلامية في الرقة ودير الزور ومناطق واسعة من شرق الفرات. وبحلول نهاية العقد الثاني من الصراع، بدا وكأن الخريطة العسكرية قد استقرّت نسبيًا؛ النظام يسيطر على معظم المراكز الحضرية الكبرى، المعارضة محصورة في إدلب وبعض الجيوب الحدودية، والقوات الكردية تدير شرق البلاد بدعم أميركي محدود.

غير أن هذا "الاستقرار" كان يخفي هشاشة بنيوية عميقة. فالعملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة في جنيف لم تُفضِ إلى تسوية، ومسار أستانا انهار بسبب خروقات متكررة لوقف إطلاق النار. وعلى هذا فقد تحولت سوريا إلى مسرح نفوذ متعدّد حيث رسّخت روسيا قواعدها العسكرية، بينما عمّقت إيران عمّقت شبكاتها الأمنية والاقتصادية، في حسن ثبتت تركيا حضورها في الشمال، أما الولايات المتحدة فأبقت على وجود محدود شرقًا. وهكذا، استعادت دمشق السيطرة الاسمية، لكنها فقدت القدرة على ممارسة سيادة مكتملة القرار.

بحلول عام 2023، بدا أن النظام يخرج تدريجيًا من عزلته الدبلوماسية. فقد أعطت زيارة الرئيس الإيراني إلى دمشق، وإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق دام اثني عشر عامًا، أعطيا بأن صفحة الحرب توشك أن تُطوى. غير أن المؤشرات الإنسانية كانت مغايرة تمامًا؛ نحو 580 ألف قتيل، ملايين اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا وأوروبا، واقتصاد منهار يعتمد على شبكات تهريب وتحويلات خارجية. وجاء زلزال فبراير 2023 ليعمّق المأساة، كاشفًا هشاشة البنية التحتية وعجز الدولة عن الاستجابة الكافية، في ظل عقوبات دولية وانقسام سياسي داخلي.

بصورة كلية، جاء التحول الأكبر في عام 2024، عندما بدأت البيئة الإقليمية تتغير بوتيرة متسارعة، فالتصعيد الإسرائيلي ضد أهداف إيرانية في سوريا، بعد هجوم حماس في أكتوبر 2023، أضعف البنية العسكرية المرتبطة بطهران. ومع انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، أعادت موسكو توزيع قواتها بعيدًا عن قواعدها السورية. كما قلّص حزب الله وجوده الاحتياطي في سوريا بعد انخراطه المكثف في مواجهة إسرائيل في لبنان، وقد خلق هذا التراجع المتزامن لحلفاء دمشق فراغًا استغلته فصائل المعارضة المدعومة من تركيا، والتي كانت قد حافظت على قدر من التنظيم والدعم اللوجستي خلال السنوات السابقة. ففي نوفمبر 2024، بدأت المعارضة هجومًا واسعًا اتسم بسرعة غير متوقعة، وبعد سقوط حلب، توالت السيطرة على حماة ودرعا وحمص، وصولًا إلى دمشق في الثامن من ديسمبر. اللافت أن تقدم المعارضة لم يُقابل بمقاومة حاسمة، بل بانسحابات متسارعة لقوات النظام، ما يعكس انهيارًا معنويًا ومؤسسيًا أكثر منه هزيمة ميدانية تقليدية. فقد انهى فرار بشار الأسد إلى موسكو مرحلة سياسية استمرت عقودًا، لكنه لم يُنهِ الأزمة البنيوية للدولة السورية.

لقد فتح تشكيل إدارة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، فصلًا جديدًا من التعقيد. فالشرع، الذي أسس هيئة تحرير الشام كامتداد لجبهة النصرة بعد انفصالها عن القاعدة، يحمل إرثًا أيديولوجيًا يثير شكوكًا دولية، رغم محاولاته تقديم خطاب براغماتي يؤكد الالتزام بدولة مدنية شاملة. واستجابة لذلك رحبت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية بحذر بالتغيير، مشروطين بعملية سياسية جامعة تتماشى مع قرارات الأمم المتحدة، لكن إلا أن الواقع الداخلي أظهر أن الانتقال من حركة مسلحة إلى سلطة دولة ليس مسارًا خطيًا.

فالأقليات العلوية، التي ارتبطت تاريخيًا بالنظام السابق، وجدت نفسها في موقع هش، ورغم التعهدات الرسمية بعدم الانتقام، شهدت البلاد في مارس 2025 موجة عنف قُتل خلالها نحو 1400 علوي، في هجمات نُسب جزء منها إلى عناصر دُمجت في الأجهزة الأمنية الجديدة. وفي الجنوب، اندلعت اشتباكات دامية بين الدروز وعشائر بدوية، وسط اتهامات للحكومة بالانحياز، حتى أن هذه الأحداث أظهرت أن احتكار الدولة لاستخدام القوة لا يزال غير مكتمل، وأن العدالة الانتقالية لم تُصغ ضمن إطار مؤسسي واضح.

وفي الشمال الشرقي، وُقّع اتفاق بين الحكومة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية لدمج المكوّن الكردي في مؤسسات الدولة، لكن تعثر التنفيذ أعاد التوترات. وبالتوازي لذلك واصلت تركيا، التي تخشى قيام كيان كردي يتمتع بحكم ذاتي، التهديد بالتصعيد، ما جعل الملف الكردي محورًا إقليميًا بامتياز، يتجاوز حدود الترتيبات الداخلية السورية.

أما إسرائيل، فقد تبنّت مقاربة تقوم على منع تشكّل قوة عسكرية مركزية قادرة على تهديدها. وبعد إعلانها اتفاق فصل القوات لعام 1974 لاغيًا عمليًا، نفذت عمليات برية وجوية استهدفت مخازن سلاح ومنشآت حكومية، خصوصًا خلال اضطرابات 2025. ورغم استمرار قنوات تواصل غير مباشرة لإعادة إحياء الترتيبات الأمنية السابقة، فإن إسرائيل تبدو حريصة على إبقاء سوريا في حالة "ضبط أمني" يمنع تعافيًا عسكريًا كاملًا.

أما اقتصاديًا، فقد شكّل إعلان الرئيس الأميركي في مايو 2025 تعليق العقوبات خطوة مهمة، لكنه لم يكن كافيًا لإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة. فالاقتصاد يعاني ضعفًا مؤسسيًا حادًا، والاستثمار يتطلب بيئة قانونية وأمنية مستقرة، وهو ما لم يتحقق بعد، حيث تمثل عودة نحو مليون لاجئ و1.8 مليون نازح داخليًا بحلول سبتمبر 2025 مؤشرًا إيجابيًا، لكنها تبقى محدودة مقارنة بحجم النزوح الكلي، في ظل استمرار التحديات الإنسانية.

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فمرحلة ما بعد الأسد لم تُنهِ الصراع، بل أعادت صياغته في صورة تنافس على بناء الدولة، وضبط السلاح، وصياغة عقد اجتماعي جديد. إن نجاح المرحلة الانتقالية يتوقف على ثلاثة عناصر مترابطة؛ بناء مؤسسات أمنية وطنية غير فصائلية، إطلاق عملية سياسية شاملة تضمن تمثيلًا حقيقيًا للمكوّنات المختلفة، وتأمين دعم اقتصادي دولي مشروط بإصلاحات حقيقية. وفي غياب ذلك، قد تتحول سوريا إلى نموذج لدولة خرجت من حرب أهلية لكنها لم تدخل بعد في سلام مستدام، بل تعيش حالة انتقال مفتوح على احتمالات متعددة بين الاستقرار التدريجي والهشاشة المزمنة.