بث تجريبي

إعادة تموضع داعش في إفريقيا: الأمن الهش وصعود التنظيمات العابرة للحدود

دراسات وأبحاث - Foresight

مقدمة

شكّلت العملية العسكرية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة ونيجيريا ضد معسكر تابع لتنظيم «الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا» (ISWAP) في ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا، تطورًا نوعيًا في مسار الحرب ضد التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد. فالعملية، التي استهدفت أحد أبرز القيادات المرتبطة بالبنية العالمية لتنظيم «داعش»، لم تكن مجرد ضربة أمنية تكتيكية، بل حملت أبعادًا استراتيجية تتعلق بإعادة تموضع التنظيمات المتطرفة في إفريقيا، وتصاعد الانخراط الدولي في مكافحة الإرهاب داخل القارة، فضلًا عن التحولات الجيوسياسية والأمنية التي يشهدها الإقليم.

وتأتي هذه العملية في سياق إقليمي متشابك، يتسم بتراجع فعالية الدولة الوطنية في عدد من دول الساحل، واتساع مساحات الهشاشة الأمنية، وتزايد قدرة التنظيمات المسلحة على التكيف مع الضغوط العسكرية من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة، وتطوير شبكات التمويل والتهريب والتحالفات العابرة للحدود.

أولًا: لماذا أصبحت إفريقيا مركز الثقل الجديد لتنظيم الدولة؟

شهدت السنوات الأخيرة تحولًا تدريجيًا في الجغرافيا العملياتية لتنظيم «الدولة الإسلامية»، فبعد الضربات التي تعرض لها في العراق وسوريا، اتجه التنظيم نحو إفريقيا بوصفها بيئة أكثر ملاءمة لإعادة إنتاج نفسه. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية والأمنية والسياسية.

أول هذه العوامل يتمثل في هشاشة الدولة الوطنية داخل عدد من الدول الإفريقية، خصوصًا في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث تعاني الحكومات من ضعف السيطرة على الأطراف الحدودية، وتراجع القدرات العسكرية والاقتصادية، وغياب التنمية، فضلًا عن الأزمات السياسية والانقلابات المتكررة. هذه البيئة أتاحت للتنظيمات الجهادية فرصة التمدد وتأسيس مناطق نفوذ شبه مستقلة.

أما العامل الثاني فيرتبط بالطبيعة الجغرافية للمنطقة، إذ تشكل الحدود الممتدة والمفتوحة بين نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون بيئة مثالية لتحركات الجماعات المسلحة وعمليات التهريب ونقل السلاح والمقاتلين.

العامل الثالث يتمثل في تطور البنية العملياتية للتنظيمات الجهادية الإفريقية، حيث لم تعد تعتمد فقط على الأساليب التقليدية، بل بدأت في استخدام الطائرات المسيّرة، والتقنيات الرقمية، والعملات المشفرة، فضلًا عن توظيف وسائل الإعلام والدعاية الإلكترونية لتعزيز التجنيد والتأثير النفسي.

وفي هذا السياق، تبدو ولاية غرب إفريقيا التابعة لتنظيم الدولة (ISWAP) أحد أكثر فروع التنظيم تطورًا وفاعلية، سواء من حيث القدرة العسكرية أو البنية التنظيمية أو الامتداد الجغرافي.

ثانيًا: دلالات العملية العسكرية المشتركة

تعكس العملية الأمريكية–النيجيرية الأخيرة جملة من التحولات الاستراتيجية المهمة.

1. تصاعد الانخراط الأمريكي في غرب إفريقيا

تكشف العملية عن عودة الاهتمام الأمريكي بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا بعد سنوات من التركيز على الشرق الأوسط وآسيا. فالولايات المتحدة باتت تنظر إلى تمدد التنظيمات الجهادية في إفريقيا باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي، خاصة مع تنامي الروابط بين الجماعات المحلية والشبكات الجهادية العابرة للحدود.

كما أن العملية تعكس تحولًا في المقاربة الأمريكية من مجرد الدعم الاستخباراتي والتدريب إلى الانخراط العملياتي المباشر عبر التنسيق الاستخباراتي واستخدام قدرات المراقبة والاستهداف الدقيقة.

2. تعزيز شرعية الدولة النيجيرية

تمثل العملية أيضًا محاولة من جانب الحكومة النيجيرية لإظهار قدرتها على استعادة زمام المبادرة في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، خصوصًا بعد الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها المؤسسة العسكرية نتيجة تزايد هجمات التنظيم ضد القواعد العسكرية والمدنيين.

ومن الناحية السياسية، تسعى أبوجا إلى توظيف العملية لتعزيز صورة الدولة القادرة على حماية الأمن الوطني، في ظل تنامي القلق الشعبي من اتساع نفوذ التنظيمات المسلحة.

3. استهداف البنية القيادية للتنظيم

يشير استهداف قيادي بحجم «أبو بلال المنوكي» إلى أن العملية لم تكن مجرد هجوم محدود، بل جاءت نتيجة عمل استخباراتي طويل ومعقد. فالرجل يُعد من الشخصيات المحورية داخل البنية العالمية لتنظيم الدولة، وكان مسؤولًا عن ملفات تتعلق بالتخطيط الاستراتيجي والتمويل والتكنولوجيا والتنسيق مع الفروع الأخرى.

وبالتالي، فإن تصفيته تمثل ضربة رمزية وتنظيمية مهمة، قد تؤدي إلى إرباك مؤقت داخل الهيكل القيادي للتنظيم، حتى وإن لم تكن كافية لإنهاء تهديده بالكامل.

ثالثًا: حدود التأثير العسكري على التنظيمات الجهادية

رغم الأهمية العملياتية للعملية، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن الضربات العسكرية وحدها لا تكفي للقضاء على التنظيمات الجهادية، خاصة في البيئات الهشة.

فالتنظيمات المسلحة في إفريقيا أظهرت قدرة كبيرة على التكيف وإعادة التموضع بعد خسارة القيادات أو المعاقل الرئيسية. كما أن اعتمادها على شبكات محلية للتمويل والتجنيد يمنحها مرونة عالية في الاستمرار.

إضافة إلى ذلك، فإن جذور الأزمة لا ترتبط فقط بالبعد الأمني، بل تشمل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة، مثل الفقر والبطالة والتهميش وضعف الخدمات العامة والصراعات الإثنية والدينية.

وفي حالة نيجيريا، لا يزال شمال شرق البلاد يعاني من اختلالات تنموية عميقة، الأمر الذي يوفر بيئة خصبة لاستمرار التجنيد داخل الجماعات المتطرفة.

رابعًا: التحولات المستقبلية المحتملة

يمكن قراءة العملية ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل المشهد الأمني في غرب إفريقيا والساحل، وهو ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات مستقبلية.

1. تصاعد التنسيق الدولي ضد التنظيمات الجهادية

من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في مستوى التعاون الأمني والاستخباراتي بين الولايات المتحدة ودول غرب إفريقيا، خصوصًا مع تنامي المخاوف من تحول المنطقة إلى المركز الرئيسي للتنظيمات الجهادية عالميًا.

2. انتقال التنظيم إلى تكتيكات أكثر لامركزية

قد يدفع الضغط العسكري المتزايد تنظيم ISWAP إلى تبني تكتيكات أكثر مرونة، مثل الهجمات الخاطفة، واستهداف البنية التحتية، وتوسيع الاعتماد على الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة.

3. اتساع الترابط بين جماعات الساحل

تشير المعطيات الميدانية إلى وجود تقارب متزايد بين التنظيمات المسلحة في الساحل وغرب إفريقيا، سواء من حيث تبادل الخبرات أو التنسيق العملياتي. وهذا قد يؤدي إلى تشكل فضاء جهادي أكثر ترابطًا عابرًا للحدود.

4. احتمال إعادة تدوير الصراع

إذا لم تُرفق العمليات العسكرية بمقاربات تنموية وسياسية شاملة، فإن البيئة المنتجة للتطرف ستظل قائمة، ما يعني إمكانية عودة التنظيمات المسلحة بأشكال جديدة حتى بعد تلقيها ضربات قاسية.

خاتمة

تكشف الضربة الأمريكية–النيجيرية ضد تنظيم ISWAP عن تحوّل مهم في طبيعة التهديدات الأمنية داخل إفريقيا، حيث أصبحت القارة تمثل الساحة الأكثر نشاطًا للتنظيمات الجهادية المرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية». كما تعكس العملية إدراكًا دوليًا متزايدًا لخطورة التحولات الجارية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.

غير أن نجاح العمليات العسكرية، مهما بلغت دقتها، يظل محدودًا ما لم يقترن باستراتيجية شاملة تعالج جذور الأزمة البنيوية في المنطقة، بما يشمل تعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق التنمية، واحتواء الهشاشة الاجتماعية، ومنع التنظيمات المسلحة من استثمار الفراغات السياسية والأمنية.

وفي ظل استمرار التنافس الدولي على النفوذ داخل إفريقيا، وتزايد هشاشة البيئة الإقليمية، تبدو منطقة الساحل وغرب إفريقيا مرشحة للبقاء إحدى أكثر بؤر عدم الاستقرار تعقيدًا خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يجعل من مكافحة الإرهاب هناك قضية تتجاوز البعد المحلي لتصبح جزءًا من معادلات الأمن الدولي وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية العالمية.