عبد الله عبد السلام

سياسات المحاولة!

آراء حرة - عبد الله عبد السلام

خلال العقود الماضية، كانت شرعية الحكومات تُقاس بالنتائج النهائية والمؤشرات الاقتصادية مثل زيادة معدلات النمو الاقتصادى وخفض التضخم. لكن مع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وعدم قدرة الفرد على تحمل تكاليف الحياة، ظهرت فلسفة جديدة بشأن دور الحكومة وصيغة العقد الاجتماعى بين الدولة والمواطن. بدلا من الانتظار سنوات حتى يتحقق النمو وتتحسن الأحوال، تدعو هذه الرؤية إلى تدخلات حكومية فورية وملموسة ومستهدفة لتخفيف أعباء المعيشة. هناك حاليا نموذجان فى الغرب يطبقان ذلك. زهران ممدانى عمدة نيويورك وآندى برنهام رئيس وزراء بريطانيا الجديد.

برنهام تولى الحكم فى يوليو الماضى. كان الغضب على الحكومة العمالية عارما. ارتفاع فى أسعار السلع وفواتير الكهرباء والمياه والغاز. تراجع تدريجى عن سياسات الضمان الاجتماعى، خاصة مع كبار السن. شعبية حزب العمال، الذى تولى السلطة قبل عامين فقط بأغلبية غير مسبوقة، تراجعت إلى درجة أنه لو جرت انتخابات، لفاز بها حزب الإصلاح اليمينى المتطرف. ماذا فعل برنهام؟ أحدث تحولا فى النهج الحكومى. لم يعد التركيز على الأهداف الاقتصادية الكلية متوسطة وطويلة الأجل، بل على تدخلات فورية لصالح المواطن لتأكيد أن الحكومة تعمل من أجله. جرى إلغاء فورى لبعض فواتير الطاقة وخفض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء وتحديد سقف لأسعار تذاكر النقل العام، وكذلك إعفاءات ضريبية على المرافق المحلية. رؤية برنهام وحكومته والتى يُطلق عليها: «سياسات المحاولة»، ترى أنه بدلا من انتظار تنفيذ الخطط الاقتصادية الهادفة إلى رفع مستوى معيشة المواطنين، من الضرورى اتخاذ سلسلة متواصلة من القرارات التى تُرسل إشارة للناس بأن الحكومة تقف بجانبهم.

ممدانى فعل شيئاً مماثلا قبل شهور، وإن كان المُسمى مختلفاً. سياسة ممدانى هى: «القدرة على تحمل التكاليف». وتنطلق من سؤال: «هل المواطن العادى قادر على مواجهة الأعباء المعيشية من مسكن ومأكل وتعليم لأولاده ومواصلات وغيرها فى ظل هذا الارتفاع الجنونى فى الأسعار وعدم زيادة الدخل بالمعدل نفسه؟ تمثل الرد فى سياسات فورية ملموسة تهدف إلى توفير بعض المال فى جيب المواطن، من خلال تجميد زيادة الإيجارات وجعل خطوط الأتوبيسات العامة مجانية للجميع، وتوفير رعاية للأطفال من ٦ أسابيع إلى ٥ سنوات وتمويل ذلك عبر زيادة الضرائب على الأغنياء، وتوسيع فرص الإسكان الميسر.

فى مصر، اتبعنا قبل ٢٠ عاما، نظرية تساقط الثمار. الاهتمام بتشجيع الاستثمارات وبناء البنية التحتية وتهيئة مناخ الأعمال، بما يؤدى بالنهاية إلى تساقط الثمار على الطبقات المتوسطة والفقيرة. لم يحدث ذلك. مع تزايد الضغوط الاقتصادية والحياتية، هناك حاجة ملحة للاقتراب من «سياسات المحاولة» و«تحمل التكاليف». مطلوب إجراءات فورية ومباشرة تشعر بها الأسر فى ميزانياتها اليومية خاصة فى أسعار الخدمات والمواصلات والفواتير. المواطن، خلال اشتباكه اليومى مع الأسعار بحاجة إلى من يقف معه فى هذه المعركة. هذا المواطن لم يعد قادرا ولا مستعدا لانتظار ثمار خطط النمو المستدام، بل يريد إجراءات سريعة تساعده على البقاء. العدالة الاجتماعية لم تعُد غاية بعيدة تنتظر نهاية خطة خمسية أو عشرية، بل هى ممارسة يومية هدفها المواطن أولا وأخيراً.