بث تجريبي
عمر غازي

القراءة الأخيرة

آراء حرة - عمر غازي
عمر غازي
كاتب وأكاديمي متخصص في الدراسات الإعلامية واستراتيجيات الاتصالية

متى كانت آخر مرة قرأت فيها مقالًا كاملًا من أوله إلى آخره دون أن تقاطعك إشعارات الهاتف، أو تنتقل إلى رابط آخر، أو تكتفي بالعنوان ثم تكتب رأيك، قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يكشف واحدًا من أكبر التحولات التي أحدثها الإعلام الرقمي في الإنسان، فالمشكلة لم تعد أن الناس توقفت عن القراءة، بل أنها أصبحت تقرأ بطريقة مختلفة تمامًا عما عرفته البشرية لعقود طويلة، حتى بات الوصول إلى نهاية مقال حدثًا نادرًا، وأصبح كثير من النقاشات يبدأ قبل أن تبدأ القراءة نفسها.

لو تأملت يومك ستكتشف أنك تقرأ مئات العناوين، وعشرات الرسائل، وآلاف الكلمات المتناثرة، ومع ذلك قد تشعر أن قراءة مقال لا تستغرق خمس دقائق أصبحت عبئًا يحتاج إلى وقت لا تملكه، والحقيقة أنك لم تتوقف عن القراءة، بل استبدلت القراءة بالتصفح، وأصبح الانتقال بين النصوص أسرع من استيعابها، وأصبح الوصول إلى المعلومة أهم من فهمها، بينما تراجع التأمل أمام الإيقاع المتسارع الذي فرضته المنصات الرقمية.

هذا التحول لم يمر على الباحثين مرور الكرام، ففي عام 2013 نشرت آن مانغن (Anne Mangen) من جامعة ستافنغر في النرويج دراسة قارنت فيها بين القراءة على الورق والقراءة عبر الشاشات، ووجدت أن من قرأوا النصوص الورقية كانوا أكثر قدرة على فهم تسلسل الأفكار واستيعاب التفاصيل من الذين قرأوا النصوص نفسها على الأجهزة الرقمية، ولم تقل الدراسة إن الشاشة تقتل القراءة، لكنها أشارت إلى أن الوسيط الذي نقرأ من خلاله يؤثر في الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات.

وفي عام 2018 قدمت عالمة الأعصاب الإدراكية ماريان وولف (Maryanne Wolf) في كتابها Reader, Come Home تحذيرًا من تراجع ما أسمته القراءة العميقة (Deep Reading)، وهي القدرة على التوقف، والتأمل، وربط الأفكار، وتحليلها قبل إصدار الأحكام، وترى وولف أن الدماغ يتكيف مع الطريقة التي نقرأ بها، فإذا اعتاد القفز السريع بين النصوص، أصبح أقل استعدادًا للصبر الذي تتطلبه القراءة المتأنية، وليس لأن الإنسان فقد قدرته على التفكير، بل لأنه أعاد تدريب دماغه على السرعة بدلًا من العمق.

لكن هل يعني ذلك أن الناس لم تعد تقرأ، الإجابة ليست بهذه البساطة، ففي عام 2021 أوضحت ناعومي بارون (Naomi S. Baron)، أستاذة اللغويات في الجامعة الأمريكية بواشنطن، أن القراءة لم تمت، لكنها تغيرت، فالقارئ المعاصر يميل إلى النصوص المختصرة، ويبحث عن المعلومة السريعة، ويتجنب المحتوى الذي يحتاج إلى تركيز طويل، أي أننا لم نفقد عادة القراءة، وإنما غيرنا معناها، وأصبحنا نستهلك المعرفة كما نستهلك الأخبار، بسرعة تكفي لمعرفة العنوان، لكنها لا تكفي دائمًا لفهم الفكرة.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للإعلام الرقمي، فالمنصات لا تكافئ من يقرأ بعمق، بل تكافئ من يتفاعل بسرعة، وكل ثانية يقضيها المستخدم في التأمل تعني بالنسبة لها ثانية أقل في الانتقال إلى منشور جديد أو إعلان جديد، لذلك صُممت كثير من التطبيقات لتشجع الحركة المستمرة، لا التوقف، والتمرير، لا التأمل، والاختصار، لا الاستغراق، حتى أصبح الزمن نفسه جزءًا من المنافسة على انتباه الإنسان.

ومع ذلك سيكون من الظلم أن نحمّل المنصات وحدها المسؤولية، فهناك باحثون يرون أن المعرفة لم تتراجع، بل تغيرت وسيلة الوصول إليها، وأن الفيديو، والبودكاست، والرسوم التفاعلية، والملخصات، أصبحت تؤدي جزءًا من الدور الذي كانت تؤديه الكتب والمقالات، وهذا رأي يستحق الاحترام، فالتاريخ يعلمنا أن كل وسيلة جديدة لم تلغِ ما قبلها، وإنما أعادت توزيع الأدوار بينها.

لكن يبقى سؤال لا تستطيع الدراسات أن تجيب عنه وحدها، هل يستطيع مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة أن يمنحك ما تمنحه قراءة متأنية لنص كامل، وهل يمكن لفكرة عظيمة أن تنضج داخل عقل ينتقل كل بضع ثوانٍ إلى فكرة أخرى، هنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن الكتاب أو الهجوم على الهاتف، بل بالدفاع عن قدرة الإنسان على التفكير العميق، لأن الأفكار الكبيرة لا تولد من السرعة، وإنما من الوقت الذي نعطيه لها.

ربما لم تمت القراءة، وربما لن تعود كما كانت قبل عصر الهواتف الذكية، لكن السؤال الحقيقي ليس كم كلمة نقرأ كل يوم، بل كم فكرة نمنحها الوقت الكافي حتى تغيّرنا، لأن الإنسان لا يصبح أكثر معرفة بعدد ما يمر أمام عينيه من كلمات، وإنما بعدد الأفكار التي بقيت في عقله بعد أن أغلق الشاشة.