حرب إيران وتحول مفهوم القوة: من الهيمنة العسكرية إلى صراع القدرة على الاستمرار
تكشف حرب إيران أن التحول الأهم في النظام الدولي قد لا يتمثل بالضرورة في صعود قوة عظمى جديدة تحل محل الولايات المتحدة، بقدر ما يتمثل في تراجع قدرة قوة واحدة، مهما بلغت قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، على تحويل تفوقها إلى هيمنة سياسية واستراتيجية منفردة.
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية ومالية لا تضاهيها دولة منفردة، غير أن الحرب أظهرت أن التفوق النوعي لا يضمن وحده الحسم في الصراعات الممتدة. فامتلاك الطائرات المتقدمة، والاستخبارات، والأسلحة الدقيقة، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتطورة، يظل عنصرًا حاسمًا، لكنه لم يعد منفصلًا عن سؤال آخر أكثر تعقيدًا: إلى أي مدى تستطيع الدولة تحمل حرب طويلة، وتعويض ما تستهلكه، وحماية قواعدها وخطوط إمدادها، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على الردع في مسارح أخرى؟
ومن هذه الزاوية، قد لا تكون حرب إيران بداية "عصر صيني" بالمعنى المباشر، وإنما قد تكون إحدى العلامات على انتقال النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتوزع فيها مصادر القوة بين عدة مراكز، حتى مع استمرار الولايات المتحدة في موقعها كقوة عظمى رئيسية.
من التفوق العسكري إلى مشكلة تحويل القوة إلى نتائج سياسية
تكمن إحدى أهم دلالات الحرب في التمييز بين القدرة على إلحاق الضرر بالخصم والقدرة على إخضاعه سياسيًا.
فالقوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت، وتعطيل قدرات، واستهداف مواقع استراتيجية، لكنها لا تستطيع بالضرورة فرض النتيجة السياسية المرغوبة إذا كان الطرف الآخر قادرًا على مواصلة القتال، وإعادة إنتاج جزء من قدراته، وتوسيع كلفة الحرب، واستخدام أدوات غير متماثلة للضغط على الخصم.
وقد أظهرت الحرب أن امتلاك التفوق الجوي والاستخباراتي لا يلغي قدرة الطرف الأضعف نسبيًا على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد القواعد والمنشآت الحيوية، والتأثير في الملاحة والطاقة، ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب.
وهنا تظهر فجوة استراتيجية مهمة بين الضربة والحسم. فالضربة يمكن أن تكون ناجحة من الناحية العملياتية، بينما يظل تحقيق الأهداف السياسية للحرب أكثر تعقيدًا. ولذلك فإن معيار القوة لم يعد يقتصر على دقة السلاح ومداه وقدرته التدميرية، وإنما بات يشمل قدرة الدولة على مواصلة العمليات بعد الأسابيع والأشهر الأولى.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء ما خلّفته الحرب من ضغوط على مخزونات الذخائر الأمريكية. فقد أشارت تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الحرب استنزفت كميات مهمة من بعض الصواريخ والذخائر ومنظومات الاعتراض، وأن إعادة بناء المخزونات إلى مستويات ما قبل الحرب قد تتطلب سنوات بالنسبة لبعض الأنظمة.
اقتصاديات الاستنزاف تعيد تعريف القوة
تتجاوز دلالة الحرب الجانب العسكري المباشر إلى إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يستطيع أن يتحمل الحرب الأطول؟
فالصراع الحديث لم يعد بالضرورة مواجهة بين عدد محدود من المنصات العسكرية عالية القيمة. إذ يمكن للصواريخ والطائرات المسيّرة الأقل تكلفة أن تفرض على الخصم استخدام صواريخ اعتراض متقدمة وباهظة الثمن. ومع تكرار عمليات الاعتراض، تتحول الحرب تدريجيًا إلى منافسة بين معدلات الإنتاج والاستهلاك.
وهذا ما يمكن وصفه بـ"اقتصاديات الاستنزاف".
فالطرف الذي يمتلك أفضل منظومة دفاعية لا يكون بالضرورة في وضع استراتيجي مريح إذا كان مضطرًا إلى إنفاق ذخيرة مرتفعة التكلفة لاعتراض وسائل هجومية يمكن إنتاجها بتكلفة أقل. ولذلك أصبح السؤال الاقتصادي جزءًا من السؤال العسكري: كم صاروخًا يستطيع كل طرف إنتاجه؟ وكم تستغرق عملية تعويض الصاروخ المستخدم؟ وما حجم المخزون المتاح قبل أن تبدأ القيود الصناعية في التأثير في الخيارات العسكرية؟
وقد خلصت تحليلات أمريكية حديثة إلى أن الحرب مع إيران كشفت بصورة واضحة مشكلة المخزونات الأمريكية، لكنها أشارت أيضًا إلى أن جذور المشكلة أقدم من الحرب نفسها وترتبط بتغير متطلبات التخطيط العسكري الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة، وبالقيود الصناعية والمؤسسية التي تراكمت خلال عقود.
ومن ثم، فإن الحرب لم تكن مجرد اختبار للأسلحة الأمريكية، وإنما اختبار للقدرة على إعادة إنتاج القوة العسكرية.
عودة القاعدة الصناعية إلى قلب المنافسة الجيوسياسية
تقود هذه المسألة إلى تحول أعمق في مفهوم القوة الدولية. فخلال العقود التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، بدا أن التكنولوجيا المتقدمة تستطيع إلى حد كبير تعويض الفوارق في الحجم والإنتاج.
لكن الحروب الممتدة تعيد القاعدة الصناعية إلى مركز الحسابات الاستراتيجية.
لم يعد السؤال فقط: من يمتلك الطائرة الأكثر تطورًا؟ وإنما أيضًا: من يستطيع إنتاج الطائرات والذخائر والمحركات والسفن والصواريخ وأجهزة الاستشعار وأشباه الموصلات بالسرعة التي تتطلبها الحرب؟
وتشير دراسات حديثة إلى أن الولايات المتحدة حققت تقدمًا في إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية، لكنها لا تزال تواجه فجوات في الطاقة الإنتاجية ومخزونات بعض الذخائر، فيما يمثل اتساع القدرة الصناعية الصينية عنصرًا أساسيًا في حسابات المنافسة الاستراتيجية المقبلة.
وهنا تتغير طبيعة المنافسة بين واشنطن وبكين. فالصراع المحتمل بين القوتين لن يكون مجرد مقارنة بين طائرات مقاتلة وسفن حربية وأنظمة صاروخية، بل سيكون أيضًا مقارنة بين الأنظمة الصناعية التي تقف خلف هذه المنظومات. وبعبارة أخرى، قد يصبح المصنع جزءًا من الردع بقدر ما تكون حاملة الطائرات جزءًا منه.
الجبهة الثانية: تعدد مسارح الصراع
تتضاعف أهمية هذه المسألة عندما تعمل القوة الكبرى في أكثر من مسرح في الوقت نفسه. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مسرحًا منفصلًا عن أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ. وكلما استهلكت الحرب موارد عسكرية أمريكية، أصبح السؤال مطروحًا حول تأثير ذلك في قدرة واشنطن على الاحتفاظ بمستوى كافٍ من الردع في مناطق أخرى.
وقد حذرت تحليلات أمريكية من أن النقص في بعض الذخائر لا يمثل مشكلة للحرب مع إيران وحدها، وإنما يمكن أن يؤثر في الجاهزية لصراع محتمل مع قوة منافسة مثل الصين، خصوصًا أن بعض الأنظمة المستخدمة في الشرق الأوسط هي نفسها التي ستكون مطلوبة في صراع طويل في المحيط الهادئ.
وهذا يعني أن القوة الأمريكية تواجه معادلة مختلفة عن تلك التي واجهتها في كثير من صراعات ما بعد الحرب الباردة. فالمشكلة لم تعد مجرد القدرة على خوض حرب، وإنما القدرة على خوض حرب من دون إضعاف الردع في حرب أخرى محتملة. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم "القدرة على الاستمرار" باعتباره أحد أهم مؤشرات القوة في النظام الدولي المقبل.
التحالفات: من مضاعف للقوة إلى اختبار للثقة
لا يمكن فهم التحول في طبيعة القوة دون النظر إلى التحالفات فقد كانت شبكة التحالفات الأمريكية إحدى أهم أدوات تحويل القوة الوطنية إلى نفوذ عالمي. فالقواعد العسكرية، والمعلومات الاستخباراتية، وسلاسل الإمداد، والتعاون الصناعي، وتقاسم الأعباء العسكرية، كلها سمحت لواشنطن بتوسيع نطاق قدرتها بعيدًا عن حدودها.
لكن الحرب أعادت طرح سؤال الثقة في التحالفات، خصوصًا مع تنامي اتجاه بعض الحلفاء إلى تنويع خياراتهم الدفاعية والاقتصادية وعدم الاعتماد الكامل على طرف واحد.
وقد رصدت تقارير حديثة تحولات داخل الناتو باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتوسيع البحث عن بدائل في بعض مجالات التسليح، في ظل نقاش متزايد حول مستقبل الالتزام الأمريكي وطبيعة تقاسم الأعباء داخل التحالف. ولا يعني ذلك بالضرورة تفكك التحالفات الأمريكية، لكنه يشير إلى تغير محتمل في طريقة عملها: من الاعتماد شبه الكامل على قوة مركزية إلى بناء قدر أكبر من المرونة الاستراتيجية وتعدد الخيارات. وهذه النقطة مهمة؛ لأن القوة العظمى لا تُقاس فقط بما تستطيع فعله منفردة، وإنما أيضًا بقدرتها على إقناع الآخرين بأن الاعتماد عليها سيظل مستقرًا وقابلًا للتنبؤ.
لماذا لا تعني هذه التحولات انتقال النظام مباشرة إلى الصين؟
من السهل تفسير تراجع القدرة على الهيمنة المنفردة باعتباره انتقالًا تلقائيًا لمركز القوة من واشنطن إلى بكين، لكن هذا التفسير يتجاهل طبيعة النظام الدولي الراهن.
فالصين تمثل بالفعل منافسًا استراتيجيًا رئيسيًا للولايات المتحدة، وتمتلك قاعدة صناعية واسعة وقدرات متنامية في المجالات العسكرية والتكنولوجية والبحرية. وتشير تحليلات أمريكية إلى أن الصين تعمل على إنتاج منظومات عسكرية
