بث تجريبي

التحول البنيوي في طبيعة القوة العسكرية المعاصرة

تقارير وملفات - Foresight

شهدت الحروب المعاصرة تحوّلاً عميقاً في طبيعة القوة العسكرية ومعايير التفوق الاستراتيجي، إذ لم يعد امتلاك الأسلحة المتطورة أو المنصات القتالية الحديثة كافياً لحسم المعارك أو ضمان الهيمنة في ساحات الصراع. فالتجارب العسكرية الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط والبحر الأحمر كشفت أن العامل الحاسم في الحروب الحديثة لم يعد “نوع السلاح” بقدر ما أصبح “قدرة المنظومة العسكرية على العمل بصورة متكاملة ومترابطة تحت الضغط”. ولهذا السبب، بدأت الجيوش الكبرى تعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية انطلاقاً من القدرة على دمج المستشعرات، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والحرب الإلكترونية، وسلاسل الإمداد، والقيادة والسيطرة داخل شبكة عملياتية واحدة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الضربات بسرعة تفوق الخصم.

وقد كشفت الحرب الروسية–الأوكرانية بصورة واضحة حدود القوة العسكرية التقليدية عندما تغيب القدرة على التكامل العملياتي. فعلى الرغم من امتلاك روسيا ترسانة ضخمة من الدبابات والصواريخ والطائرات، فإنها واجهت منذ بداية الحرب مشكلات مرتبطة بدمج العمليات الجوية والبرية، وتأمين الاتصالات، وإدارة اللوجستيات، وسرعة تداول المعلومات داخل ميدان القتال. وفي المقابل، استفادت أوكرانيا من منظومات غربية متطورة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والاتصالات والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، ما مكّنها من تعويض جزء من الفارق التقليدي في القوة العسكرية. لكن الحرب كشفت أيضاً حدود القدرة الغربية نفسها، إذ لم تنهَر الدفاعات الروسية رغم الخسائر، بل تمكنت موسكو من التكيف تدريجياً مع بيئة الحرب الجديدة وفرض استنزاف مرتفع على الذخائر الغربية الدقيقة ومنظومات الدعم الإلكتروني، الأمر الذي أظهر أن الحروب الحديثة أصبحت في جوهرها “حروب استنزاف شبكي” تعتمد على القدرة على التكيّف والاستمرار وإدارة المنظومات أكثر من الاعتماد على التفوق الناري التقليدي.

وفي الشرق الأوسط، برز الهجوم الإيراني على إسرائيل في أبريل/نيسان 2024 بوصفه مثالاً آخر على التحول في طبيعة الصراع. فرغم امتلاك إسرائيل واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي تطوراً في العالم، مدعومة بتنسيق أمريكي وإقليمي واسع، فإن بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية نجحت في اختراق هذه الدفاعات والوصول إلى أهداف داخل إسرائيل. غير أن أهمية الهجوم لم تكمن في عدد المقذوفات التي أصابت أهدافها، بل في طبيعة الهجوم نفسه، إذ أظهرت إيران قدرة متقدمة نسبياً على تنسيق الطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز والصواريخ الباليستية ضمن هجوم مركّب ومتزامن يضغط على مختلف طبقات الدفاع الجوي في وقت واحد. وهذا التطور يعكس انتقال الصراع من مفهوم “القوة النارية” إلى مفهوم “تعقيد البيئة العملياتية”، حيث يصبح الهدف الأساسي هو إنهاك زمن الاستجابة لدى الخصم، وتشتيت قدرته على اتخاذ القرار، وإرباك شبكات الدفاع والسيطرة.

كما كشفت المواجهات في البحر الأحمر عن تحولات مماثلة في طبيعة الردع العسكري. فقد أظهرت الهجمات التي نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة أن القوى غير التقليدية باتت قادرة على تهديد الممرات البحرية الدولية وإجبار القوى الكبرى على إعادة نشر قوات بحرية ضخمة لحماية الملاحة. والأهم من ذلك أن هذه المواجهات كشفت اختلالاً جديداً في معادلات الكلفة العسكرية؛ إذ أصبحت تكلفة اعتراض المسيّرات والصواريخ أحياناً أعلى بكثير من تكلفة إطلاقها، ما يعني أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بميزان القوة، بل أيضاً بميزان الاستنزاف الاقتصادي والقدرة على إنهاك الخصم مادياً وعملياتياً.

وفي موازاة ذلك، يتسارع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري بوصفه أحد أبرز التحولات الاستراتيجية في الحروب الحديثة. فالجيوش الكبرى لم تعد تركز فقط على تطوير الأسلحة، بل على تطوير أنظمة قادرة على تحليل البيانات لحظياً، وربط المستشعرات بمراكز القيادة، وإدارة العمليات القتالية بصورة شبه فورية. وهذا التحول يعني أن التفوق العسكري في المستقبل لن يرتبط فقط بامتلاك التكنولوجيا، وإنما بسرعة تحويل المعلومات إلى قرار، والقرار إلى فعل عسكري في زمن قياسي. ومن هنا، أصبحت المنافسة بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين، تدور بصورة متزايدة حول السيطرة على “الحرب الخوارزمية” القائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والقيادة الشبكية للعمليات العسكرية.

ومع ذلك، فإن العامل الحاسم في هذه التحولات لا يبقى تقنياً فقط، بل مؤسساتياً وتنظيمياً بالدرجة الأولى. فالحروب الحديثة أثبتت أن امتلاك الأسلحة المتطورة لا يعني بالضرورة امتلاك قوة عسكرية فعالة، إذا كانت المؤسسة العسكرية عاجزة عن تحقيق التكامل بين مختلف عناصرها. ولذلك، فإن التفوق الحقيقي لا ينتج فقط عن شراء الطائرات أو الصواريخ أو أنظمة الدفاع، بل عن بناء عقيدة عسكرية مشتركة، وقدرة على التشغيل البيني، ومرونة القيادة والسيطرة، وسرعة تداول البيانات، والتدريب المستمر على إدارة المعارك المعقدة. ولهذا السبب، فإن كثيراً من الجيوش التي تمتلك ترسانات متطورة ما تزال عاجزة عن تحويلها إلى قوة حقيقية قادرة على خوض الحروب الحديثة بكفاءة.

إن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة من الصراعات تقوم على الحروب الشبكية والهجينة، حيث تتداخل الحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي مع الصراعات التقليدية. وفي هذا السياق، فإن الجيوش التي ستتمكن من تحقيق التكامل بين التكنولوجيا والقيادة والتنظيم والقدرة على اتخاذ القرار السريع ستكون الأكثر قدرة على فرض التفوق في الحروب المقبلة. أما الجيوش التي ستبقى أسيرة منطق “المنصات المنفصلة” فستجد نفسها عاجزة عن مواكبة طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين، مهما امتلكت من أسلحة متطورة.