التداعيات بعيدة المدى لضربات إسرائيل في بحر قزوين
بقلم: لوك كوفي
في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام العالم على الخليج العربي ومضيق هرمز، يبرز مسطح مائي آخر بات يشكل بؤرة مهمة في الحرب مع إيران: بحر قزوين. ففي وقت سابق من هذا الشهر، نفذت مقاتلات إسرائيلية عملية جوية جريئة وبعيدة المدى استهدفت سفنًا بحرية ومنشآت إيرانية على سواحل بحر قزوين.
لطالما شكّل بحر قزوين منطقة ذات أهمية استراتيجية لإيران، خاصة من حيث دوره في التجارة وطرق العبور نحو قلب أوراسيا، فضلًا عن احتمالات احتوائه على موارد كبيرة من النفط والغاز. وخلال الحقبة السوفييتية كان البحر مشتركًا بين إيران والاتحاد السوفييتي، لكن بعد عام 1991 وظهور ثلاث دول ساحلية جديدة هي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، ظلّت مسألة تحديد السيادة على أجزاء البحر محل خلاف بين الدول المطلة عليه.
وتفضّل أذربيجان والدول الساحلية الأخرى أن يتم تحديد حصص السيطرة في بحر قزوين وفقًا لطول السواحل الخاصة بكل دولة. في المقابل، ترى إيران، التي تمتلك أقصر ساحل على البحر، أن من الأفضل تقسيمه بالتساوي بين الدول الخمس المطلة عليه.
وتزداد تعقيدات هذا الملف بسبب أن أعمق مناطق بحر قزوين تقع قبالة السواحل الإيرانية، ما يجعل استخراج الموارد الهيدروكربونية أكثر صعوبة باستخدام التقنيات الحالية. وقد شكّل هذا الواقع عاملًا مهمًا في سعي طهران للوصول إلى مناطق أخرى في البحر أكثر غنى بالموارد وأقل عمقًا.
وبحسب التقارير، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن تدمير عدد من السفن الإيرانية، بينها فرقاطة وعدة زوارق صاروخية وسفن دورية صغيرة. كما استهدفت الضربات بنى تحتية بحرية على اليابسة، بما في ذلك مراكز القيادة ومنشآت إصلاح السفن في محيط ميناء بندر أنزلي، وهو الميناء الإيراني الرئيسي على بحر قزوين.
رسائل استراتيجية متعددة
هناك سببان رئيسيان يفسران اختيار إسرائيل استهداف أصول عسكرية إيرانية في بحر قزوين. الأول يتمثل في القلق من أن إيران ربما كانت تتلقى إمدادات عسكرية من روسيا عبر هذا البحر الذي يشكل مسار عبور مهمًا. أما السبب الثاني فهو على الأرجح رغبة إسرائيل في إرسال رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن أي جزء من الأراضي الإيرانية ليس بمنأى عن قدرتها العسكرية، بما في ذلك السواحل البعيدة على بحر قزوين.
غير أن تداعيات هذه الضربات لا تقتصر على إيران وحدها. فإلى جانب تأثيرها المباشر في الحملة الجوية ضد طهران، فإنها قد تفتح فرصًا جيوسياسية جديدة لدول المنطقة وحتى لأوكرانيا.
أذربيجان وتحولات التوازن الإقليمي
تشكل أذربيجان مثالًا واضحًا على التحولات الجارية في التوازنات الإقليمية. فالعلاقات بين باكو وطهران بدت في كثير من الأحيان ودية على السطح، لكنها ظلت مشوبة بالتوتر في العمق. وقد تصاعدت هذه التوترات في الأسابيع الأخيرة، خاصة بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة الإيرانية على جيب ناخيتشيفان الأذربيجاني.
وفي الوقت ذاته، تحاول أذربيجان الحفاظ على توازن دقيق في تعاملها مع الأزمة؛ فهي تؤكد أنها لا ترغب في امتداد الحرب إلى منطقة جنوب القوقاز، لكنها في المقابل تشدد على أنها لن تقبل بأي اعتداء على أراضيها.
ومن بين أبرز مصادر التوتر التاريخية بين إيران وأذربيجان النزاع البحري غير المحسوم في بحر قزوين، وهو خلاف يعود إلى استقلال أذربيجان عام 1991. وفي يوليو عام 2001 كاد هذا النزاع أن يتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة عندما دخلت سفن حربية وطائرات إيرانية منطقة تعتقد أذربيجان أنها تضم حقلًا مهمًا للغاز ضمن قطاعها البحري. وقد بلغ التوتر حينها مستوى دفع تركيا إلى نشر مقاتلات إف-16 في أذربيجان وإرسال قائد قواتها البرية إلى باكو في رسالة دعم واضحة، ما دفع إيران في النهاية إلى التراجع.
وقد شكّل هذا النزاع البحري أحد أبرز العقبات أمام توسيع أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في مناطق مثل حقلي ألوف وأراز. وعلى الرغم من أن أذربيجان تتبنى موقفًا حذرًا من الصراع الحالي مع إيران، فإنها قد تستفيد من تراجع القدرات البحرية الإيرانية في بحر قزوين. فضعف الوجود الإيراني يمنح باكو هامشًا أوسع للتحرك في البحر، خاصة في ظل جهودها لتعزيز قدراتها البحرية. كما يعزز هذا الاتجاه تعهد إدارة ترامب مؤخرًا بتزويد أذربيجان بزوارق إضافية، ما يجعلها القوة البحرية الثانية في بحر قزوين بعد روسيا.
انعكاسات محتملة على الحرب في أوكرانيا
كما قد تحمل الضربات الإسرائيلية تداعيات بالنسبة لأوكرانيا. فمنذ الغزو الروسي الشامل عام 2022، تتابع كييف عن كثب العلاقات اللوجستية والعسكرية بين إيران وروسيا، خصوصًا ما يتعلق بنقل الطائرات المسيّرة ومئات آلاف قذائف المدفعية ومعدات أخرى. وقد لعب بحر قزوين دورًا محوريًا في تسهيل هذا التعاون.
حتى وقت قريب كانت خيارات أوكرانيا محدودة للرد في هذا المجال، لكن القوات الأوكرانية أظهرت في الآونة الأخيرة قدرة متزايدة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى بالطائرات المسيّرة تستهدف أصولًا روسية بعيدًا عن خطوط الجبهة. وتشير تقارير إلى أن مسيّرات أوكرانية استهدفت خلال العام الماضي منشآت بحرية روسية مرتبطة بأسطول بحر قزوين في مدينة كاسبييسك. ورغم أن روسيا لم تكن هدفًا مباشرًا للضربات الإسرائيلية الأخيرة، فإن كييف ستنظر بلا شك بإيجابية إلى أي تراجع في قدرة إيران على دعم موسكو عبر مسار بحر قزوين.
تداعيات على أمن الطاقة
قد تمتد آثار هذه التطورات أيضًا إلى أمن الطاقة في المنطقة. فمنذ سنوات يجري الحديث عن مشروع لإنشاء خط أنابيب عابر لبحر قزوين لنقل الغاز من تركمانستان غربًا وربطه بممر الغاز الجنوبي عبر جنوب القوقاز وصولًا إلى الأسواق الأوروبية. لكن هذا المشروع تعثر مرارًا بسبب اعتراضات سياسية من روسيا ومخاوف من تدخل إيراني محتمل.
في الوقت ذاته، تبحث كازاخستان عن مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز تقلل اعتمادها على طرق العبور عبر الأراضي الروسية. وقد يفتح تراجع النفوذ الإيراني في بحر قزوين، إلى جانب انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، نافذة جديدة أمام أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان لدفع مشاريع الطاقة العابرة للبحر قدمًا.
قد لا تكون الضربات الإسرائيلية الأخيرة في بحر قزوين قد تصدرت العناوين العالمية، لكنها تسلط الضوء على الطبيعة المعقدة والمتعددة الأبعاد للصراع مع إيران وتداعياته الواسعة. فالتطورات في بحر قزوين لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الضيق، بل ستؤثر في التوازنات الأمنية الإقليمية وأسواق الطاقة والمشهد الجيوسياسي الأوسع. ولذلك، سيكون من الحكمة أن يولي صناع القرار اهتمامًا أكبر لهذه التطورات في المرحلة المقبلة.
المصدر: AraB News