سوريا أمام اختبار أمني جديد: هل تعكس الضربات المتلاحقة أزمة دولة أم تعدد مصادر التهديد؟

تقدير موقف - Foresight

تدخل سوريا مرحلة جديدة من الاختبار الأمني، في وقت تحاول فيه السلطات الجديدة الانتقال من إدارة مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد إلى بناء مؤسسات دولة قادرة على فرض الأمن وتوفير الخدمات وإعادة تشغيل الاقتصاد. وخلال أيام قليلة، توالت حوادث أمنية متباينة شملت هجومًا مسلحًا على حافلة تقل موظفين في قطاع الكهرباء على جسر مصياف بحمص، وانفجارات استهدفت خطوطًا للغاز، ومحاولة اغتيال ضابط في وزارة الدفاع في ريف درعا. وفي حادث منفصل قبل ذلك، شهد مستودع ذخيرة في منطقة العيس بريف حلب انفجارًا كان رابع حادث مماثل خلال سبتمبر، وفق إحصاء أوردته «رويترز».

ولا تكمن أهمية هذه الوقائع في خطورتها المنفردة فحسب، وإنما في تزامنها مع مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الدولة السورية. فالحكومة تواجه أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، فيما تحاول استعادة السيطرة على مناطق لا تزال تشهد أشكالًا مختلفة من التوتر المسلح، وإعادة بناء مؤسسات الأمن والجيش، وتحسين الخدمات الأساسية، وتهيئة البيئة السياسية والاقتصادية اللازمة لإعادة الإعمار.

ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يقف وراء هذه الحوادث؟ وإنما أيضًا: هل تمتلك الدولة السورية القدرة المؤسسية على منع تحول الحوادث المتفرقة إلى نمط مستدام من عدم الاستقرار؟

التزامن يرفع مستوى القلق، لكنه لا يثبت وجود جهة واحدة

يبدو قِصر الفاصل الزمني بين عدد من الحوادث الأخيرة لافتًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنشآت حيوية مثل خطوط الغاز والطاقة أو باستهداف موظفين حكوميين. فقد أدى انفجار في خط غاز بين منطقتي الشولا ودير الزور إلى توقف تدفقات الغاز من حقل الجبيسة إلى محطات توليد الكهرباء، وقالت شركة النفط الحكومية إن الحادث نجم عن عمل تخريبي.

كما أدى الهجوم على حافلة في حمص إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين، بحسب مصدر في مديرية الصحة نقلت عنه وكالة الأنباء السورية. ولم تكن هناك، في التقارير الأولية، معلومات مؤكدة عن هوية المنفذين أو دوافعهم.

هذه الوقائع تبرر التعامل معها باعتبارها مؤشرًا أمنيًا يستحق التدقيق، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود حملة مركزية منسقة أو جهة واحدة تقف وراء جميع الحوادث. فالسياق السوري شديد التعقيد، وتعدد الجماعات المسلحة والشبكات المحلية وبقايا البنى القديمة والتهديدات العابرة للحدود يجعل احتمال تعدد مصادر العنف قائمًا بقوة.

وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية أمام السلطات: قد يكون التزامن نفسه نتيجة تعدد الأزمات، لا بالضرورة نتيجة غرفة عمليات واحدة.

البنية التحتية تتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية

تكتسب الهجمات أو الحوادث التي تمس قطاع الطاقة أهمية خاصة في بلد يعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية. فتعطيل خط غاز لا يقتصر أثره على المنشأة المستهدفة، بل يمكن أن يمتد إلى إنتاج الكهرباء والمياه والخدمات العامة، وبالتالي يتحول حادث أمني محدود جغرافيًا إلى أزمة تمس قطاعات واسعة من السكان.

وهذا ما يجعل البنية التحتية للطاقة هدفًا ذا قيمة استراتيجية، سواء كان استهدافها مقصودًا من جهة منظمة أو نتج عن هشاشة أمنية وتراكم مشكلات فنية وتشغيلية.

وتأتي هذه المخاطر في وقت تحاول فيه سوريا إعادة بناء قطاع الطاقة واستعادة قدرتها على تشغيل محطات الكهرباء وتطوير شبكات النقل والتوزيع. وبالتالي، فإن استمرار الحوادث التي تضرب الطاقة أو المنشآت العسكرية أو الموظفين الحكوميين يمكن أن يخلق دائرة يصعب كسرها: ضعف أمني يؤدي إلى تعطيل اقتصادي، والتعطيل الاقتصادي يؤدي إلى مزيد من السخط والفقر، وهو ما يوفر بدوره بيئة أكثر ملاءمة للجريمة والتجنيد المسلح.

الاقتصاد ليس خلفية للأزمة الأمنية بل جزء منها

تزداد صعوبة المعادلة لأن الأزمة الأمنية تتزامن مع ضغوط اقتصادية هائلة. فقد أدت زيادة أسعار الوقود في سبتمبر إلى احتجاجات في مناطق واسعة من سوريا، في واحدة من أوسع موجات الاحتجاج منذ سقوط الأسد، فيما تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 90 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

وهذا يوضح أن الأمن والاقتصاد في سوريا لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما ملفين منفصلين. فضعف القدرة على توفير الكهرباء والوقود والمياه وفرص العمل لا ينعكس فقط على مستوى المعيشة، وإنما يؤثر أيضًا في قدرة الدولة على بناء شرعية عملية في المناطق التي عانت سنوات من الحرب والانهيار المؤسسي.

وفي البيئات الهشة، يصبح الشباب العاطل عن العمل أكثر عرضة للاستقطاب من قبل شبكات الجريمة المنظمة والجماعات المسلحة، كما تصبح الحدود وممرات التهريب مصدرًا مستمرًا للاقتصاد غير الرسمي. ولذلك فإن معالجة الأسباب الاقتصادية للاضطراب تمثل جزءًا من السياسة الأمنية نفسها، وليس مجرد سياسة اجتماعية موازية.

تعدد المستفيدين لا يعني بالضرورة تعدد المنفذين

يرى بعض الخبراء السوريين الذين تناولوا التطورات أن هناك أطرافًا متعددة قد تستفيد من إضعاف الحكومة أو إظهار عجزها عن فرض الأمن، من بينها خلايا تنظيم «داعش»، وشبكات مرتبطة ببقايا النظام السابق، وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، إضافة إلى أطراف إقليمية لديها مصالح متعارضة في مستقبل سوريا.

لكن من الضروري التمييز بين المستفيد المحتمل والمنفذ الفعلي. فوجود مصلحة لدى طرف ما في استمرار الفوضى لا يعني أنه يقف وراء حادث معين، ولا يثبت وجود تنسيق بين جميع الجهات التي يمكن أن تستفيد من الاضطراب.

وتزداد أهمية هذا التمييز في الحالة السورية بسبب تعدد مراكز القوة. فتنظيم «داعش» لا يزال يمثل تهديدًا أمنيًا، فيما تشير تطورات أخرى إلى استمرار نشاط شبكات مرتبطة بمرحلة الأسد، كما أن السلاح المنتشر وضعف السيطرة المركزية يخلقان فرصًا للجريمة المنظمة والتهريب. وفي الوقت نفسه، لا تزال سوريا محكومة بتوازنات إقليمية معقدة تشمل إسرائيل وتركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة ودول الجوار.

وبالتالي، فإن تفسير كل حادث من خلال نظرية مؤامرة واحدة قد يكون أقل قدرة على تفسير الواقع من النظر إلى سوريا باعتبارها ساحة تتقاطع فيها مصالح وشبكات وتهديدات متعددة.

«داعش» وبقايا النظام والجريمة المنظمة: ثلاثة أنماط مختلفة من التهديد

يمكن النظر إلى التهديدات الحالية من خلال ثلاثة مستويات رئيسية.

المستوى الأول يتمثل في التنظيمات الجهادية، وفي مقدمتها «داعش»، التي يمكن أن تستفيد من ضعف المؤسسات الأمنية ومن الفجوات الجغرافية لإعادة بناء شبكاتها السرية. وهنا لا يكون الهدف بالضرورة السيطرة على الأرض، وإنما إثبات القدرة على ضرب الدولة وإظهار عجزها عن حماية المواطنين.

المستوى الثاني يرتبط ببقايا الشبكات العسكرية والأمنية والمالية التي تشكلت خلال عهد الأسد. وهذه الشبكات، إذا احتفظت بالقدرة على الحركة والتمويل والوصول إلى السلاح والمعلومات، يمكن أن تشكل مصدر تهديد لعملية الانتقال السياسي، خصوصًا إذا كانت ترى في قيام مؤسسات دولة جديدة تهديدًا لمصالحها.

وقد أكدت تطورات إقليمية حديثة أن قضية الشبكات العابرة للحدود المرتبطة ببقايا النظام السابق ليست افتراضية بالكامل؛ ففي سبتمبر، وجهت محكمة عسكرية لبنانية اتهامات إلى خمسة أشخاص، بينهم ضابط سوري سابق وأعضاء في «حزب الله»، على خلفية اتهامات بتشكيل شبكة للتدريب وتنفيذ هجمات في الساحل السوري.

أما المستوى الثالث فيتمثل في اقتصاد الجريمة، حيث يمكن لتجار السلاح والمخدرات وشبكات التهريب أن تستفيد من استمرار ضعف مؤسسات الدولة. وفي هذه الحالة لا تحتاج الفوضى إلى مشروع سياسي؛ يكفي أن تكون مربحة.

المشكلة المؤسسية: الدولة لا تحتاج إلى مزيد من الأجهزة بقدر ما تحتاج إلى التكامل

من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من التطورات الأخيرة أن بناء أجهزة أمنية جديدة لا يكفي وحده. فالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة هذه المؤسسات على تبادل المعلومات، وتحليل المخاطر، والاستجابة السريعة، والعمل وفق قواعد واضحة للمساءلة.

وفي دولة خارجة من حرب طويلة، يمثل توحيد السلاح تحت سلطة الدولة شرطًا أساسيًا لبناء منظومة أمنية قابلة للحياة. لكن ذلك لا يعني فقط جمع الأسلحة، بل أيضًا دمج القوى المسلحة أو إعادة تنظيمها ضمن مؤسسات مهنية، ووضع سلسلة قيادة واضحة، وإنشاء آليات فعالة للرقابة والمحاسبة.

كما تحتاج سوريا إلى جهاز استخبارات قادر على العمل بصورة احترافية، بعيدًا عن منطق الأجهزة المتنافسة أو الولاءات الشخصية. فمكافحة الخلايا الصغيرة وشبكات التخريب لا تعتمد فقط على القوة بعد وقوع الهجوم، وإنما على القدرة على جمع المعلومات وتحليلها قبل وقوعه.

البعد السياسي: الأمن المستدام يحتاج إلى عقد سياسي

لا يمكن فصل الاستقرار الأمني عن شكل الدولة التي يجري بناؤها. فسوريا ما بعد الأسد تواجه أسئلة شديدة الحساسية تتعلق بالعلاقة بين المركز والأقاليم، وحقوق المكونات، وطبيعة النظام السياسي، وموقع القوى المحلية المسلحة، وشكل الدستور المقبل.

وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن مخاوف المكونات السورية ليست متطابقة. فهناك مخاوف لدى الدروز بشأن علاقة المركز بالمناطق المحلية، ومخاوف لدى العلويين مرتبطة بأحداث الساحل، بينما يبحث الأكراد عن ضمانات لمكتسباتهم الإدارية في الشمال الشرقي، ويريد كثير من السوريين ضمانات تحول دون عودة الحكم الفردي.

ومن هنا، فإن الحوار الوطني ليس مجرد مسألة سياسية منفصلة عن الأمن. بل يمكن أن يكون أداة أمنية لمنع تحول المخاوف المجتمعية إلى صراعات مسلحة.

كلما اتسعت المشاركة السياسية وازدادت وضوح قواعد توزيع السلطة، تراجعت مساحة الاستقطاب التي يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الخارجية.

الشفافية أصبحت جزءًا من الأمن القومي

تتعامل الحكومات في مراحل الاضطراب عادةً مع المعلومات الأمنية باعتبارها ملفًا شديد السرية. لكن الإفراط في الصمت قد ينتج أثرًا معاكسًا؛ إذ يفتح المجال أمام الشائعات ونظريات المؤامرة ويضعف الثقة العامة.

ولهذا تحتاج السلطات السورية إلى تطوير نموذج اتصال رسمي أكثر شفافية: الإعلان عما يمكن الإعلان عنه، وتفسير ما أمكن تفسيره، والاعتراف بما لم يتم التوصل إليه بعد، بدل تقديم روايات نهائية قبل اكتمال التحقيقات.

وتزداد أهمية ذلك في الحوادث التي تمس البنية التحتية أو تخلف ضحايا مدنيين. فالرأي العام لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة تفاصيل العمليات الأمنية، لكنه يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الدولة تعرف ما حدث، وما الذي تفعله لمنع تكراره.

الاختبار الحقيقي هو منع تحول التهديد إلى «نمط»

لا تزال الأدلة المتاحة غير كافية للجزم بأن سلسلة الحوادث الأخيرة تمثل حملة منسقة تقف وراءها جهة واحدة. لكن تزامن الاعتداءات على أهداف مدنية وبنى تحتية ومنشآت عسكرية، إلى جانب استمرار حوادث الانفجارات في مواقع تخزين السلاح، يوضح أن الدولة السورية تعمل داخل بيئة أمنية شديدة الهشاشة. وقد أحصت «رويترز» ما لا يقل عن 16 حادث انفجار مماثل في مواقع تخزين الأسلحة منذ سقوط الأسد في ديسمبر 2024، مع اختلاف أسباب هذه الحوادث بين سوء التخزين والحرائق والذخائر المتدهورة وحوادث لم تتضح أسبابها علنًا.

وهنا تكمن المسألة الأكثر إلحاحًا: ليس مطلوبًا من الحكومة أن تمنع كل حادث أمني، وهو أمر يصعب تحقيقه في أي دولة، وإنما أن تمنع تراكم الحوادث وتحولها إلى نمط قادر على تقويض الثقة بالدولة.

وتحتاج سوريا، لتحقيق ذلك، إلى خمسة مسارات متوازية: احتكار الدولة للسلاح، وبناء مؤسسات أمنية متكاملة ومهنية، ومعالجة جذور الأزمة الاقتصادية، وتوسيع الحوار السياسي، وتبني سياسة اتصال عامة أكثر شفافية.

نجاح هذه المسارات لن يقاس بالتصريحات الرسمية، وإنما بقدرة الدولة على تحويل الأمن من رد فعل بعد وقوع الحوادث إلى قدرة استباقية على منعها، وبقدرتها على إعادة الخدمات والوظائف والاستثمار إلى المناطق الهشة.

فالمعركة الأساسية أمام سوريا الجديدة ليست فقط مع الجماعات المسلحة أو الشبكات التخريبية؛ إنها أيضًا مع الفراغ المؤسسي والاقتصادي والسياسي الذي يسمح لهذه الجهات بالنمو.

ولهذا فإن السؤال الذي ستواجهه دمشق في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من فجّر خط الغاز؟ أو من أطلق النار على الحافلة؟ بل سيكون السؤال الأعمق: هل تستطيع الدولة السورية بناء منظومة تجعل مثل هذه الحوادث استثناءً محدود الأثر، بدل أن تتحول إلى وسيلة مستدامة لإضعاف الدولة؟