كيف يمكن لرجل لا يعمل بالقضاء أن يقنع آخرين بأنه قاضٍ، لم يحتج الأمر بحسب ما كشفت عنه التحقيقات في مصر إلى تزوير محكمة كاملة، بل إلى الدخول بعد مواعيد العمل الرسمية إلى قاعات محكمة شمال القاهرة بالعباسية، وارتداء وشاح يشبه وشاح القضاة، والوقوف أمام الكاميرا في المكان الحقيقي ثم نقل المشهد إلى منصات التواصل الاجتماعي، وقد كشفت تحقيقات نيابة شرق القاهرة أن المتهم استعان بـ3 موظفين بالمحكمة لتسهيل دخوله وتصوير تلك المقاطع، قبل استخدامها في تقديم نفسه للآخرين باعتباره قاضيًا وصاحب نفوذ يستطيع إنهاء القضايا والإجراءات، والمفارقة أن الرجل يعرّف نفسه أيضًا في حسابه الشخصي المغلق على فيسبوك بأنه حافظ للقرآن الكريم كاملًا بالقراءات العشر، وهكذا اجتمعت أمام المتلقي إشارات متعددة، قاعة محكمة حقيقية، ووشاح القضاء، والمشهد المهني، وتعريف ذاتي يحمل دلالة دينية، بينما بقيت الحقيقة الأساسية خارج الصورة، الرجل ليس قاضيًا.
لم يكن الجمهور إذن أمام المكانة نفسها، بل أمام إشارات تدل عليها، وهذه المسافة بين الشيء وعلاماته ربما تكون إحدى الزوايا التي لم ننتبه إليها بما يكفي في فهم المكانة الاجتماعية الرقمية، فالإنسان لا يستطيع أن يرى مكانة الآخرين مباشرة، وإنما يرى اللقب والمهنة والملابس والمكان والصورة وطريقة الحديث والمؤهلات والأشخاص المحيطين بصاحب الحساب، ثم يجمع هذه الأجزاء ليقرر أين يضعه في تصوره الاجتماعي، ولذلك لم يحتج المتهم في الواقعة السابقة إلى تزوير الصورة، فقد كانت المحكمة حقيقية والقاعة حقيقية ووجوده فيها حقيقيًا، كان يكفي أن يزور المعنى الذي ستقود إليه هذه الحقائق.
وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2016 في مجلة Computers in Human Behavior حول مؤشرات المصداقية على منصات التواصل الاجتماعي أن إشارات السلطة والهوية وشعبية المصدر أثرت بدرجات مختلفة في تقييم الناس لمصداقيته، وكانت إشارات السلطة هي الأكثر تأثيرًا، كما وجدت الدراسة أثرًا تراكميًا عندما تجتمع أكثر من إشارة للمصداقية، وهي نتيجة تفسر جانبًا مما يحدث حين لا يرى المتلقي الصفة نفسها وإنما يرى مجموعة من العلامات التي تقوده إلى استنتاجها، فالوشاح والمكان والمشهد وطريقة التقديم قد تصبح مجتمعة أكثر إقناعًا من أي منها منفردًا.
والمكانة الاجتماعية الرقمية في معناها الذي نتناوله هنا ليست عدد المتابعين ولا مجرد الشهرة أو السمعة، وإنما الموقع النسبي الذي يمنحه مجتمع رقمي لشخص أو مؤسسة، وما يرتبط بهذا الموقع من اعتراف وثقة وقدرة على التأثير أو توجيه الانتباه، فقد يعرف ملايين الأشخاص اسم إنسان دون أن يمنحوه مكانة بينهم، بينما قد يمتلك آخر جمهورًا أصغر لكنه يحتل داخل مجتمع متخصص موقعًا يجعل رأيه أكثر حضورًا وتأثيرًا، ولذلك لا تُقاس هذه المكانة بمن يعرفك فقط، بل بمن يعترف لك بموقع، ولماذا يعترف به، وماذا تستطيع أن تفعل نتيجة هذا الاعتراف.
ولا يبدأ هذا التصور من فراغ، فدراسات علم الاجتماع وعلم النفس والاتصال تناولت طويلًا المكانة الاجتماعية وإشاراتها وإدارة الانطباع وتقديم الذات، لكن انتقال جانب كبير من علاقاتنا الاجتماعية والمهنية إلى منصات التواصل الاجتماعي يجعل النظر إلى هذه العناصر مجتمعة داخل المجتمع الرقمي ضرورة مختلفة، لأن الإشارة لم تعد تُرى في مجلس أو مؤسسة فقط، بل يمكن أن تُصنع وتُنتقى وتتكرر أمام جمهور واسع حتى تصبح جزءًا من الموقع الذي يمنحه المجتمع الرقمي لصاحبها.
وقد تناولنا من قبل كيف يمكن لهذه المكانة الاجتماعية الرقمية أن تكون امتدادًا لمكانة سابقة خارج منصات التواصل الاجتماعي، كما في المسؤول أو رجل الأعمال الذي يحمل معه رصيدًا مؤسسيًا أو اقتصاديًا ثم يعيد تشكيله داخل المنصات، وكيف يمكن أن تنشأ من داخل المجتمع الرقمي نفسه لشخص لم تكن لديه مكانة مماثلة خارجه، لكن ذلك يفتح سؤالًا آخر أكثر دقة، إذا كان المجتمع الرقمي هو الذي يمنح الفرد هذا الموقع، فعلى أي أدلة يمنحه إياه، وهل يستطيع الإنسان التحكم في هذه الأدلة حتى يقود الآخرين إلى المكان الذي يريد أن يحتله بينهم.
وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2018 في مجلة Management Communication Quarterly، بعد تحليل 1,050 منشورًا وإجراء مقابلات مع 32 شخصًا، أن أنماط استخدام منصات التواصل الاجتماعي نفسها أسهمت في إعادة إنتاج تراتبية المكانة داخل المجتمع المدروس، كما أظهرت أن الظهور على المنصة لم تكن له القيمة نفسها لدى أصحاب المواقع المختلفة، وهي نتيجة تساعد على فهم أن ما نعرضه داخل المجتمع الرقمي ليس مجرد انعكاس لمكانتنا خارجه، بل يمكن أن يشارك في تشكيل المكان الذي يمنحه لنا الآخرون داخله.
ولا تكون إشارات المكانة كلها زائفة بطبيعة الحال، فالأستاذ الجامعي الذي يذكر جامعته، والطبيب الذي يضع تخصصه، والمسؤول الذي يظهر في مؤسسته، جميعهم يقدمون إشارات حقيقية تساعد الآخرين على فهم مواقعهم، لكن المسألة تبدأ في التعقيد عندما ندرك أن الإنسان لا يعرض كل ما هو عليه بالوزن نفسه، بل ينتقي من سيرته ما يريد أن يراه الآخرون أولًا، وقد يضخم بعض هذه العناصر، بينما يستطيع في الحالة القصوى أن يصطنع إشارات لمكانة لا يمتلكها من الأساس، ومن ثم فإن تزييف المكانة الاجتماعية الرقمية ليس سوى الحالة الأقصى داخل ظاهرة أوسع، تبدأ بإشارات حقيقية للمكانة، ثم قد تمر بالانتقاء والتضخيم، قبل أن تصل إلى اصطناع الإشارات نفسها.
ويزداد هذا التعقيد عندما لا تكون الإشارة مهنية أو اجتماعية فقط، بل تحمل دلالة دينية قد ترتبط لدى بعض المتلقين باستنتاجات أخلاقية، وليس المقصود بذلك أن نشر المحتوى الديني أو وضع معلومة ذات طبيعة دينية في التعريف الشخصي دليل على الخداع أو على حقيقة أخلاقية بعينها، فقد تكون المعلومة صحيحة تمامًا وصاحبها صادقًا فيها، وإنما تكمن المسألة في أن الـBio يختلف عن المنشور العابر، فهو المساحة التي ينتقي منها الإنسان عددًا محدودًا من المعلومات ليجيب ضمنيًا عن سؤال من أنا، ولذلك يصبح اختيار معلومة بعينها من عشرات المعلومات الممكنة جزءًا من الطريقة التي يقدم بها الفرد نفسه إلى المجتمع الرقمي، ثم تتحدد دلالتها حين تجتمع مع بقية الإشارات التي تحيط بصورته.
وهذا ما يجعل تعريف منتحل صفة القاضي لنفسه بأنه حافظ للقرآن الكريم كاملًا بالقراءات العشر مهمًا لفهم الظاهرة، لا للحكم على صحة حفظه أو على تدينه، وإنما لأنه اختار هذه المعلومة لتكون جزءًا ثابتًا من تعريفه بذاته إلى جوار الصورة المهنية التي كان يصنعها، فاجتماع الإشارات المهنية والمعرفية والدينية والاجتماعية أمام المتلقي يوضح كيف يمكن للعقل أن يربط بينها ويصنع منها حكمًا كليًا على صاحب الحساب.
ويقدم أحد صناع المحتوى الرياضي المعروفين في مصر نموذجًا مختلفًا، فقد كان معروفًا بالفعل لدى جمهور واسع قبل الواقعة التي سنأتي إليها، وهو صيدلي في الأصل ثم ترك العمل في الصيدلة واتجه إلى صناعة المحتوى الرياضي التي جاءت منها شهرته الواسعة، لكنه ظل حريصًا على حضور ارتباطه بترجمة أعمال الداعية أحمد ديدات ضمن تعريفه العام، ولا توجد في ذلك بذاتها إشارة زائفة، وإنما تكشف شيئًا آخر في صناعة المكانة، فالإنسان صاحب السيرة المتعددة لا يقدم إلى المجتمع الرقمي كل ما هو عليه بالقدر نفسه، بل ينتقي من تاريخه ما يريد أن يبقى حاضرًا في الصورة التي يعرفه الناس من خلالها، ومن هنا لا يصبح السؤال عن صحة الإشارة وحدها، بل عن سبب اختيارها ووظيفتها داخل الصورة الأوسع التي يقدمها الفرد عن نفسه.
لكن المكانة الاجتماعية الرقمية لا يكتبها صاحبها منفردًا، فقد ارتبط صانع المحتوى نفسه لاحقًا بواقعة أثارت جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي بعد مشاركته في مسابقة على الهواء وظهوره مستخدمًا سماعة أثناء الإجابة، وهي واقعة صنعت بدورها إشارة لم يخترها هو لتقديم نفسه، وبصرف النظر عن الجدل الذي أحاط بها فإن أهميتها هنا ليست في محاكمة صاحبها، بل في كشف الصراع بين الصورة التي يختار الفرد تقديمها عن نفسه والصورة التي تنتجها أفعاله أمام الجمهور، فقد نكتب في تعريفنا ما نريد أن يتذكره الناس عنا، لكن المجتمع الرقمي يحتفظ أيضًا بما يريد هو أن يتذكره.
وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2025 في Frontiers in Psychology على 715 شابًا وشابة في السعودية أن مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي يلجؤون إلى استراتيجيات مختلفة لتقديم الذات، من بينها الترويج للذات وإظهار الصفات المرغوبة، كما ارتبطت كثافة الاستخدام وعدد المتابعين ببعض استراتيجيات تقديم الذات، وهو ما يعيدنا إلى الفارق بين الإنسان كما هو، والإنسان كما يختار أن يعرض نفسه، والصورة التي تتكون عنه في النهاية لدى الآخرين.
وتتضح بذلك ثلاثة مستويات لا ينبغي الخلط بينها، ما يكونه الإنسان فعلًا، وما يختار إظهاره عن نفسه، وما يعتقد المجتمع الرقمي أنه عليه، وقد تتطابق المستويات الثلاثة فيكون الحضور امتدادًا طبيعيًا للواقع، وقد يختار الفرد جزءًا حقيقيًا من سيرته ويجعله أكثر بروزًا من بقية أجزائها، وقد يبالغ في قيمة إشارة صحيحة، بينما تبلغ الفجوة أقصاها عندما يصطنع شخص إشارات كاملة لمكانة غير موجودة ثم يترك للجمهور مهمة الوصول إلى الاستنتاج الذي أراده.
وعند هذه النقطة تصبح قضية منتحل صفة القاضي أكثر أهمية من واقعة احتيال عابرة، لأن ما نشر عن التحقيقات يشير إلى أن الصورة التي صنعها لم تتوقف عند حدود الحصول على الإعجاب أو المتابعين، بل استُخدمت لإقناع أشخاص بامتلاكه نفوذًا يستطيع من خلاله إنهاء قضايا وإجراءات والاستيلاء على أموال بعضهم، أي أن المكانة كانت زائفة في مصدرها، لكن آثارها أصبحت حقيقية عندما صدقها الآخرون، فالمال الذي دفع حقيقي، والثقة التي مُنحت حقيقية، والقرار الذي اتخذه الضحية بناءً عليها حقيقي، بينما المكانة التي أطلقت هذه السلسلة كلها لم تكن موجودة.
ولعل الأخطر أن الواقعة لم تحتج إلى صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو فيديو مزيف بتقنيات معقدة، بل قامت على حقائق بصرية صحيحة وُضعت في سياق يقود إلى معنى غير صحيح، وهذا يضيف إلى مشكلة التضليل الرقمي بعدًا آخر، لأن انشغالنا المتزايد بالسؤال عما إذا كانت الصورة حقيقية قد يجعلنا ننسى سؤالًا أكثر أهمية، هل المعنى الذي تطلب منا الصورة أن نستنتجه حقيقي أيضًا، فالصورة الحقيقية تستطيع أن تكذب عندما يُصنع لها السياق الكاذب.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي تصبح المسألة أكثر إلحاحًا، فإذا كان اصطناع إشارات المكانة في هذه الواقعة قد احتاج إلى قاعة محكمة حقيقية وموظفين ووشاح وتصوير في غير أوقات العمل، فإن تكلفة صناعة بعض هذه الإشارات تتراجع اليوم بصورة كبيرة، إذ أصبح من الممكن اصطناع المكان والصوت والصورة والمشهد بدرجات متزايدة من الإقناع، وهو ما يعني أن المجتمعات الرقمية قد تواجه مستقبلًا عددًا أكبر من الأشخاص الذين لا يزورون المكانة نفسها بقدر ما يزورون الأدلة التي اعتدنا الاستدلال بها عليها.
وهذا يعيدنا إلى مسؤولية جديدة أمام متخصصي الإعلام الرقمي والعلاقات العامة الرقمية، فإذا كنا ننظر إلى إدارة المكانة الاجتماعية الرقمية بوصفها مجالًا يستحق الدراسة والعمل المهني المركز، فإن فهم إشارات هذه المكانة والتحقق منها يصبح جزءًا لا يقل أهمية عن بنائها، فلا يكفي عند تقييم شخصية أو مؤثر أو خبير أو شريك محتمل أن نسأل عن عدد متابعيه أو حجم ظهوره، بل ينبغي أن نفهم من أين جاءت المكانة التي نراها، وما الأدلة التي صنعتها، وأيها يمكن التحقق منه، وأيها لا يتجاوز صورة أحسن صاحبها ترتيب عناصرها.