عبد الله عبد السلام

لبنان الكرامة والشعب العنيد

آراء حرة - عبد الله عبد السلام

منذ أكتوبر 2023، استباحت إسرائيل الأراضى العربية كما لم يحدث منذ عقود. أحرقت غزة بشرًا وحجرًا. جعلت سوريا حديقة خلفية تفعل فيها ما تشاء. دمرت الجنوب اللبنانى وشردت أهله وأعادت احتلاله. لم تستسلم غزة. صمتت سوريا، لكنها لم تنسحق تمامًا أمام ضغوط وإغراءات العدو. فى لبنان فقط، شهدنا سقوط الثوابت الوطنية والقومية. قطاع مهم من النخب السياسية والإعلامية والاقتصادية أخذ على عاتقه كسر المحظورات الرافضة التعامل مع إسرائيل والتطبيع معها. عندما يدعو زعيم حزب دروز إسرائيل لانتخاب نتنياهو، ويطالب إعلامى بارز بالتطبيع الكامل، ويدخل رجل أعمال فى شراكة اقتصادية وإعلامية مع إسرائيليين رغم أن القوانين اللبنانية تُحرِّم التواصل أو الدعوة للسلام مع إسرائيل، فإننا أمام لبنان مختلف تمامًا، عما كان خلال المائة عام الماضية.

ليس جديدًا على الساحة اللبنانية، بل وفى بلدان عربية أخرى، الدعوة للسلام مع إسرائيل.. إلا أن ما يحدث فى لبنان ليس مطالبة بسلام قائم على العدل واستعادة الحقوق. بل هو أقرب إلى «سلام المذعورين» بتعبير أحد السياسيين. سلام يفرضه اختلال كامل فى موازين القوى. سلام قائم على الخوف. فقد تبخرت الدولة وانهار الاقتصاد وحلت الكارثة الإنسانية. استغلت مجموعات سياسية واقتصادية هذا الوضع، الذى يشعر فيه المواطن اللبنانى بالضياع، من أجل تغيير كامل فى توجهات وأسس الدولة اللبنانية، وإعادة هندسة الوعى الشعبى. الإعلامى اللبنانى الشهير مارسيل غانم رأس حربة فى التوجه الجديد. يعبر عن أفكاره الداعية للتطبيع والسلام مع إسرائيل، ليس بجرأة بل بعدائية لمكونات الشعب اللبنانى الأخرى. برنامجه التليفزيونى «صار الوقت» منصة أساسية للداعين إلى تجاوز الثوابت والقوانين، والبدء فورًا فى سلام شامل دون قيود أو تحفظات.

يدعم غانم رجال أعمال كبار، على رأسهم أنطون الصحناوى، الذى يمول قنوات تليفزيونية ومشروعات إعلامية لبنانية. وقد أذاعت إحدى المنصات التى يمولها بثًا مشتركًا مع منصة إسرائيلية، ووقَّعت شراكة معها. الصحناوى أقام حفل عشاء لنتنياهو خلال زيارته مؤخرًا لواشنطن.. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك. سياسيون كانوا محسوبين على المقاومة ومؤيدين لحزب الله، بدأوا فى مغازلة إسرائيل. وئام وهاب، زعيم حزب التوحيد العربى الدرزى، دعا دروز إسرائيل إلى انتخاب نتنياهو، قائلًا إنه الأقدر على حماية الدروز السوريين؛ أى أنه يعترف بمزاعم إسرائيل بأنها تحمى أقليات المشرق العربى.