بث تجريبي

اتفاق إيران يمنح دفعة اقتصادية... لكن الملاحة في مضيق هرمز هي العامل الحاسم

تحليلات - راي فورلونغ
راي فورلونغ
مراسل دولي أول في إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية (RFE/RL)

أعطى الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران دفعة فورية للأسواق المالية، حيث ارتفعت أسعار الأسهم وتراجعت أسعار النفط. غير أن تحويل هذه المؤشرات الإيجابية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة سيعتمد بدرجة كبيرة على استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وقد ظهرت بوادر أولية على عودة حركة الملاحة في 18 يونيو، وذلك خلال الساعات التي أعقبت توقيع الرئيسين الأمريكي والإيراني مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، وفقاً لشركة ويندوارد (Windward) المتخصصة في الاستخبارات البحرية.

وخلال إحاطة إلكترونية، أوضحت كبيرة المحللين في الشركة، ميشيل فيزه بوكمان، أن 18 سفينة عبرت المضيق بين الساعة السادسة مساءً من يوم 17 يونيو والساعة الثانية بعد ظهر 18 يونيو بتوقيت غرينتش، ووصفت ذلك بأنه «مؤشر على الثقة في الاتفاق».

وأشارت إلى أن السفن التي عبرت شملت ناقلة غاز طبيعي مسال ترفع العلم الفرنسي، وناقلتي نفط ترفعان علم هونغ كونغ، وناقلة مركبات ترفع العلم الإيطالي، وناقلة نفط تديرها شركة يابانية، إضافة إلى عدد من الناقلات السعودية.

وكانت عشر سفن من هذه السفن في طريقها إلى الخارج بعد أن ظلت عالقة داخل الخليج العربي لمدة 109 أيام بسبب الحرب التي اندلعت إثر الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.

وقبل اندلاع الحرب، كان نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة وسلع استراتيجية أخرى.

«تدفق محدود» من السفن

قالت بوكمان: «ستبدأ الحركة بشكل تدريجي، لكن هذا بالتأكيد مؤشر إيجابي للغاية، وعلامة مبكرة على وجود ثقة في استئناف الرحلات المغادرة عبر المضيق».

وأضافت: «بلغ متوسط عدد السفن العابرة نحو سبع سفن يومياً خلال الأسبوعين الأولين من يونيو، حتى ظهرت مؤشرات التوصل إلى هذا الاتفاق في 14 يونيو. كما أن إجمالي حركة العبور المسجلة حتى الآن خلال يونيو تجاوز بالفعل مستوى شهر مايو، الذي رصدنا فيه 156 عملية عبور فقط. نحن نرى أن الزخم يتزايد بوضوح».

من جانبه، أشار بن كاهيل، الباحث البارز غير المقيم في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي، إلى أن هذا التدفق المحدود يجب أن يتوسع إذا أُريد تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية من السلام.

وقال لإذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية:

«الأمر كله يتعلق بحركة ناقلات النفط. فالاتفاقات المكتوبة لا تعني الكثير ما لم تؤدِّ فعلياً إلى استئناف تدفق النفط عبر مضيق هرمز، لأن الجميع سيراقب عدد الناقلات التي تغادر المضيق حاملة النفط والغاز والمنتجات الأخرى إلى الأسواق».

وأضاف:

«كما يجب مراقبة الناقلات الداخلة إلى المضيق، لأن عودتها تعني استئناف عمليات التحميل الطبيعية، واستعادة إنتاج النفط والغاز في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. يجب متابعة حركة الناقلات في الاتجاهين معاً».

ويُعد ذلك اختباراً حقيقياً للاتفاق، إذ يتعين على شركات الشحن أن تقتنع بأن سفنها لن تُحتجز مجدداً داخل الخليج في حال تجدد الأعمال القتالية. كما أن استعادة الثقة تعد شرطاً أساسياً لإعادة تحميل ناقلات النفط من الموانئ العراقية والكويتية والسعودية، وكذلك لاستئناف صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية.

وبموجب الاتفاق، أصدرت واشنطن أيضاً إعفاءً من العقوبات المفروضة على النفط الإيراني، ما يوفر دفعة اقتصادية إضافية محتملة.

كما رصدت شركة ويندوارد سفناً إيرانية تعبر المضيق، إلى جانب ناقلات نفط وغاز طبيعي مسال مرتبطة بإيران كانت متجهة غرباً من جنوب شرق آسيا عبر مضيق ملقا، في مؤشر على ثقتها بإمكانية تحميل شحنات جديدة من الموانئ الإيرانية بعد رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ والمياه الإيرانية.

الاختبار الأول يبدأ من البحر

لكن موجة التفاؤل الحالية ستستمر فقط بقدر استمرار الاتفاق نفسه.

وقال نيسان رفاتي، كبير محللي الشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية:

«هناك عنصر يتعلق بإثبات جدوى الاتفاق عملياً».

وأضاف:

«الاختبار الأول سيكون في البحر. هل ستزداد حركة الملاحة في هرمز تدريجياً؟ وهل سيستمر الإيرانيون في مضايقة السفن أو استهدافها بالطائرات المسيّرة؟ وهل ستسمح الولايات المتحدة للسفن الإيرانية بالمرور عبر الطوق البحري؟».

ومن بين الاختبارات الأخرى المهمة لقياس استقرار الملاحة في المضيق: تكاليف التأمين البحري، ووجود الألغام البحرية، ومسألة رسوم العبور.

وينص نص مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على أن:

«حركة السفن التجارية ستُستأنف فوراً، ومع إزالة العوائق التقنية والعسكرية وعمليات إزالة الألغام التي ستقوم بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ستعود الحركة إلى طبيعتها خلال 30 يوماً».

إلا أنه حتى الآن لا توجد تفاصيل واضحة بشأن موعد بدء عمليات إزالة الألغام أو الجهة التي ستتولى تنفيذها.

كما ينص الاتفاق على موافقة إيران على السماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز من دون رسوم لمدة ستين يوماً، ريثما تُستكمل المفاوضات مع الجانب الأمريكي.

وأوضحت بوكمان أن المسار الجنوبي للمضيق يقع ضمن المياه العُمانية، وأن إزالة الألغام منه ستجعل مسألة الرسوم أقل أهمية. وأضافت أن طهران تحدثت عن فرض «رسوم خدمات بحرية» بالتعاون مع سلطنة عمان، لكنها استبعدت نجاح هذه الفكرة قائلة: «لا أعتقد أن ذلك سيحدث فعلياً».

أما فيما يتعلق بالتأمين البحري، فقد أكدت أنه لا يزال من المبكر معرفة ما إذا كانت التكاليف ستبدأ في الانخفاض.

وأضافت:

«نعلم أن أقساط التأمين الإضافية المرتبطة بمخاطر الحرب في المناطق المصنفة عالية الخطورة يعاد احتسابها يومياً، وهي تمثل نسبة من قيمة السفينة. وقبل الحرب كانت هذه النسبة أقل من 1%، ثم ارتفعت إلى ما بين 3% و5%، وفي بعض الحالات وصلت إلى 10%».

وأشارت إلى أن عودة هذه الأقساط إلى مستوياتها الطبيعية ستكون عاملاً أساسياً في عودة الملاحة إلى وضعها المعتاد.

أما كاهيل فرأى أن استقرار أسعار التأمين لن يحدث بسرعة، لكنه لا يمثل العقبة الرئيسية.

وقال:

«المشكلة الحقيقية كانت أن مالكي السفن لم يرغبوا في تعريض أطقمهم للخطر. وعندما تتوافر لديهم الثقة والشعور بالأمان الكافي لعبور المضيق مجدداً، أعتقد أننا سنشهد نتائج سريعة للغاية».

هل يقترب عصر ما بعد هرمز؟

كانت إيران قد أغلقت حركة الملاحة في المضيق رداً على الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت الحرب في 28 فبراير. وأدى ذلك إلى اضطراب الأسواق العالمية، وحدوث نقص حاد في الوقود في أجزاء واسعة من آسيا، كما دفع الدول الخليجية المنتجة للنفط والغاز إلى التساؤل حول ضرورة البحث عن مسارات بديلة للتصدير.

وعززت السعودية استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر متجاوزاً مضيق هرمز. كما لجأت الإمارات إلى خط أنابيبها المؤدي إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان. وقد استهدفت إيران هذين المسارين خلال الحرب، إلا أنهما ظلا أقل عرضة للخطر مقارنة بالمضيق نفسه.

وأدى ذلك إلى بروز رأي مفاده أن الحرب منحت إيران سلاحاً استراتيجياً قد يكون أكثر تأثيراً من السلاح النووي نفسه، يتمثل في قدرتها المحتملة على تعطيل تدفقات التجارة العالمية متى شاءت. غير أن هذا الرأي لا يحظى بإجماع كامل.

وقال كاهيل:

«أحد الدروس المستفادة من هذه الأزمة هو خطورة الاعتماد المفرط على نقطة اختناق واحدة. وبالتأكيد فإن مضيق هرمز يمثل أهم نقطة اختناق نفطية في العالم».

وأضاف:

«المستوردون في الدول المستهلكة سيعيدون تقييم مخاطر الإمدادات ومخاطر العبور عبر الشرق الأوسط بصورة جادة للغاية. وهناك قدر متزايد من الشكوك حول ما إذا كان مضيق هرمز سيستعيد مستقبلاً الحصة نفسها من حركة صادرات النفط العالمية. مشاريع خطوط الأنابيب البديلة تتقدم بالفعل، والعديد من الأطراف ستبحث عن بنى تحتية ومسارات جديدة».

وبذلك، قد لا يكون الاختبار الحقيقي للاتفاق الإيراني–الأمريكي هو ما كُتب في الوثائق الرسمية، بل مدى قدرة الطرفين على إعادة الثقة إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. فاستئناف حركة الملاحة بشكل طبيعي عبر مضيق هرمز لن يحدد فقط مستقبل الاقتصاد الإيراني، بل سيؤثر أيضاً في أمن الطاقة العالمي واتجاهات التجارة الدولية خلال السنوات المقبلة.