بث تجريبي

تسليح تجارة الطاقة النظيفة: كيف تُوظَّف السياسات التجارية الغربية لاحتواء صعود الصين الأخضر؟

تحليلات - ليم تيك غي
ليم تيك غي
محلل سياسي واقتصاد وتاريخي ماليزي

يكشف أحدث تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) بشأن القدرات العالمية لتصنيع الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV) كيف تقوم دول الغرب وحلفاؤها بتغيير قواعد اللعبة في مجالي التجارة واستراتيجيات مواجهة تغير المناخ، استجابةً لصعود الصين كقوة عالمية رائدة ومورّد رئيسي لتكنولوجيا الطاقة النظيفة (انظر: https://www.iea.org/reports/solar-pv-global-supply-chains/executive-summary).

وأشار التقرير إلى أن القدرات التصنيعية العالمية للطاقة الشمسية الكهروضوئية انتقلت تدريجيًا من أوروبا واليابان والولايات المتحدة إلى الصين. فقد استثمرت الصين أكثر من 50 مليار دولار أمريكي في قدرات جديدة لسلاسل توريد الطاقة الشمسية، وهو ما يعادل عشرة أضعاف ما استثمرته أوروبا، كما وفرت أكثر من 300 ألف وظيفة تصنيع عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة للطاقة الشمسية منذ عام 2011. واليوم، تتجاوز حصة الصين 80% من مراحل تصنيع الألواح الشمسية.

ورغم اعتراف التقرير بالدور المحوري الذي لعبته الصين في خفض تكاليف الطاقة الشمسية عالميًا وما ترتب على ذلك من فوائد متعددة لعمليات التحول نحو الطاقة النظيفة، فإنه اختار التركيز على حجم الاعتماد على الصين والمخاطر المحتملة لهذا التركّز، وعلى ضرورة أن تولي الدول أهمية أكبر لأمن الإمدادات. وقد حدد التقرير خمسة مجالات رئيسية للسياسات العامة لضمان أمن سلاسل توريد الطاقة الشمسية، متناولًا كيفية تقييم الدول لنقاط الضعف والمخاطر في سلاسل الإمداد، ومقدمًا إرشادات بشأن الاستراتيجيات والإجراءات اللازمة لمعالجتها.

إن هذا التركيز على الصين باعتبارها تهديدًا بدلًا من النظر إليها كعامل إيجابي في مواجهة التحدي الوجودي المتمثل في التكنولوجيا الخضراء وتغير المناخ ليس بالأمر المفاجئ.

فوكالة الطاقة الدولية هي إحدى المؤسسات المنبثقة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي منظمة حكومية دولية يغلب عليها الطابع الأوروبي، تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وبسبب بنيتها المؤسسية وتاريخها، فإن صفة الوكالة كهيئة «محايدة» أو «غير منحازة» تظل محل جدل واسع.

تاريخيًا، أدت الوكالة دور الذراع السياساتية للطاقة لدى دول الشمال العالمي. فقد أُنشئت أساسًا كقوة موازنة للدول المنتجة للطاقة، وعملت بصورة رئيسية مستشارًا للسياسات لصالح أغنى الدول الصناعية المستهلكة للطاقة، وظل ولاؤها الأساسي موجهًا نحو الدول الأعضاء فيها.

وفي السنوات الأخيرة، سعت الوكالة إلى إعادة صياغة دورها باعتبارها داعمًا للطاقة الخضراء يركز على إدارة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. ورغم أن الابتعاد عن الترويج للطاقة النفطية والوقود الأحفوري يُعد خطوة إيجابية، فإن هذا التقرير الأخير يوضح أن الوكالة لا تزال غير قادرة على التحرر من قيودها المؤسسية لتصبح جهة علمية محايدة سياسيًا، وهو الدور الذي تحتاجه الدول الأعضاء بشكل ملحّ من أجل رسم مسار أقل ضررًا نحو مستقبل طاقوي أفضل.

تسليح قطاع الطاقة

يُستخدم مصطلح «التسليح» (Weaponization) لوصف الكيفية التي تستخدم بها الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إجراءات تجارية صارمة ضد الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية الصينية، تشمل الرسوم الجمركية المرتفعة والسياسات الحمائية والعقوبات الاقتصادية.

ورغم أن هذه الإجراءات تُقدَّم باعتبارها وسائل لحماية الأمن القومي والصناعات المحلية، فإنها في الواقع تمثل محاولة للحد من الميزة التنافسية التي تتمتع بها الصين في سوق التكنولوجيا الخضراء العالمية. والمفارقة أن هذه السياسات، بدلًا من تعزيز طموحات الغرب في مجال الطاقة النظيفة، تُلحق أضرارًا كبيرة بالدول الأعضاء وبالعالم أجمع من خلال إبطاء العمل المناخي، ورفع التكاليف، والإضرار بالاقتصادات.

أبرز الإجراءات «المسلَّحة» في قطاعي الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية

أولًا: قطاع الطاقة الشمسية

  • رسوم جمركية قاسية على واردات جنوب شرق آسيا: في أبريل/نيسان 2025 فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية وصلت إلى 35.2% على واردات الطاقة الشمسية من كمبوديا وتايلاند وفيتنام وماليزيا، وهي دول تمتلك فيها الشركات الصينية عمليات تصنيع رئيسية، مما أدى فعليًا إلى إقصاء منتجاتها من السوق الأمريكية.
  • تصعيد الرسوم المباشرة على الصين: رفعت الولايات المتحدة الضرائب على واردات الخلايا الشمسية الصينية من 25% إلى 50% في مايو/أيار 2024، كما فرضت رسوم مكافحة الإغراق والدعم على الخلايا القادمة من فيتنام وكمبوديا وماليزيا وتايلاند، تراوحت بين 41% و660%.

ثانيًا: قطاع المركبات الكهربائية

  • رسوم أمريكية بنسبة 100% على المركبات الكهربائية الصينية: ترافقت هذه الخطوة مع فرض كندا رسومًا مماثلة بنسبة 100%، واقتراح المكسيك فرض رسوم بنسبة 50%، ما أدى إلى إنشاء حاجز تجاري في أمريكا الشمالية يمنع فعليًا دخول المركبات الكهربائية الصينية إلى المنطقة.
  • رسوم تعويضية من الاتحاد الأوروبي: تراوحت بين 7.8% و35.3% على عدد من الشركات الصينية المصنعة للمركبات الكهربائية.

كيف تضر هذه السياسات بالعالم؟

1. إبطاء التحول العالمي في مجال الطاقة

يتمثل الضرر الأكثر جوهرية في أن تقييد الوصول إلى تقنيات الطاقة النظيفة الصينية منخفضة التكلفة وعالية الجودة يعرقل مباشرة جهود إزالة الكربون عالميًا. فبدون هذه التقنيات الميسورة، لن تتمكن العديد من الدول من تحقيق أهدافها المناخية بصورة واقعية. وتشير التقديرات إلى أن القيود التجارية على المركبات الكهربائية قد تؤدي إلى زيادة الانبعاثات العالمية بما يصل إلى 10.5 ملايين طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون، مع خفض قيمة الإنتاج العالمي للمركبات الكهربائية بنسبة تتراوح بين 0.5% و2.4%.

2. رفع تكاليف الطاقة النظيفة عالميًا

لا تؤثر الرسوم الجمركية على الواردات فقط، بل ترفع التكاليف على الجميع. فقد أظهرت تحليلات مؤسسة بلومبيرغ للطاقة الجديدة (BloombergNEF) أن تطبيق رسوم بنسبة 100% على واردات الطاقة الشمسية و50% على البطاريات سيؤدي إلى زيادة تكلفة تحقيق أهداف الطاقة المتجددة لعام 2030 في ثماني مناطق رئيسية بما لا يقل عن 137 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 16%. كما ارتفعت أسعار الألواح الشمسية القادمة من جنوب شرق آسيا بنسبة 12% على أساس سنوي نتيجة الرسوم الأمريكية.

3. إلحاق أضرار جسيمة باقتصادات جنوب شرق آسيا

تُعد دول جنوب شرق آسيا النامية من أكثر المتضررين، وهي الدول التي تعاونت مع الصين لبناء قدرات تصنيع خضراء. فقد شجعتها السياسات الدولية على استقبال الاستثمارات الصينية، لكنها تعرضت لاحقًا للعقاب من جانب واشنطن. ففي ماليزيا وحدها استثمرت عشر شركات نحو 15 مليار دولار في مصانع الألواح الشمسية، موفرة عشرات الآلاف من الوظائف. وبعد فرض رسوم أمريكية وصلت إلى 250%، لم يتبقَّ سوى مصنعين فقط، بينما أوقف أحدهما إنتاجه إلى حد كبير.

4. التأثير الأكبر على الدول النامية

تتأثر الأسواق الناشئة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بصورة غير متناسبة، لأنها أكثر حساسية لارتفاع التكاليف، وتمتلك هوامش مالية أضيق، كما تواجه تكاليف تمويل أعلى.

5. تفكيك سلاسل الإمداد العالمية وخلق مزيد من عدم الكفاءة

إن ما يُعرف بـ«إعادة ترتيب سلاسل التوريد» يخلق نقاط ضعف جديدة بدلًا من تحقيق المرونة الحقيقية. فإجبار الشركات المصنعة على الانتقال إلى دول مثل إندونيسيا ولاوس لتجنب الرسوم الجمركية يؤدي إلى زيادة التكاليف والتعقيد دون أن يوفر أمنًا فعليًا للطاقة.

6. الإضرار بالأهداف المناخية الغربية والمستهلكين

إن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تضر نفسها بنفسها. فقد جاءت الرسوم الأوروبية المفروضة عام 2013 على الألواح الشمسية الصينية بنتائج عكسية، إذ تراجعت عمليات تركيب الخلايا الشمسية في أوروبا بشكل ملحوظ، وانخفضت إيرادات القطاع من نحو 21.3 مليار يورو عام 2013 إلى 11.2 مليار يورو فقط عام 2017. واليوم يتكرر المشهد؛ إذ من المتوقع أن تؤدي الرسوم الأمريكية والكندية البالغة 100% على المركبات الكهربائية الصينية إلى تأخير التحول الأمريكي نحو المركبات الكهربائية لسنوات، بينما يواجه المستهلك الأوروبي تراجعًا في توافر المركبات النظيفة منخفضة التكلفة.

7. تقويض التعاون العالمي بشأن تغير المناخ

لعل أخطر الآثار يتمثل في تآكل الثقة بين دول الشمال العالمي ودول الجنوب العالمي. فهذه الإجراءات ترسل رسالة واضحة مفادها أن القيادة الغربية في قضايا المناخ مشروطة بعدم تعرض الصناعات المحلية للتهديد. وقد حذرت الجمعية الصينية لصناعة الخلايا الكهروضوئية من أن هذه السياسات «تعوق التعاون الدولي في مواجهة أزمة تغير المناخ المتفاقمة»، وتمثل «ازدواجية في المعايير» تتعارض مع مبادئ منظمة التجارة العالمية. ويؤدي ذلك إلى إضعاف الجهد الجماعي العالمي المطلوب لمواجهة الأزمة المناخية.

الخاتمة

يثبت تسليح واردات الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية الصينية من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية أنه نهج غير منتج على جميع المستويات. فهو يؤخر إزالة الكربون عالميًا، ويرفع التكاليف على المستهلكين، ويضر بالاقتصادات النامية، ويفكك سلاسل التوريد العالمية، ويؤذي الصناعات الغربية نفسها، كما يقوض التعاون الدولي في مجال المناخ.

وبدلًا من حماية المصالح الغربية، تؤدي هذه الإجراءات إلى إضعاف قدرة المجتمع الدولي على الانتقال إلى مستقبل مستدام منخفض الانبعاثات الكربونية. وما لم يُستبدل النهج الحمائي الحالي بمقاربة أكثر تعاونًا وانفتاحًا، فإن شعوب العالم ستواصل دفع ثمن باهظ لهذا التسليح الاقتصادي المتخفي في صورة سياسة تجارية.