من الذكاء إلى الحضارة: رؤية الصين لمستقبل العالم
قبل سبعين عامًا، عندما طرح عدد من الباحثين الشباب لأول مرة مفهوم «الذكاء الاصطناعي» فى ورشة دارتموث بالولايات المتحدة، لم يكن أحد يتصور أن يصبح هذا المجال القضية التى ستناقشها الدول الكبرى باعتبارها إحدى أهم قضايا مستقبل البشرية.
ومن هذا المنطلق، بدأ الرئيس الصينى شى جين بينج كلمته بالمؤتمر العالمى للذكاء الاصطناعى، مستعرضًا رحلة الذكاء الاصطناعى من فكرة أكاديمية إلى قوة تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع، بل ربما الحضارة الإنسانية نفسها.
يرى الرئيس الصينى أن البشرية تقف اليوم أمام ثورة تكنولوجية لا تقل أهمية عن اختراع المحرك البخارى، أو ظهور الإنترنت. فكما غيّرت هذه المحطات التاريخية أسلوب حياة الإنسان، فإن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد برنامج حاسوبى، بل أصبح جزءاً من صميم حياتنا، من الطب والزراعة إلى التعليم والإدارة.
غير أن هذه الفرصة الكبرى تحمل معها تحديات غير مسبوقة. فالسؤال لم يعد: كيف نطور الذكاء الاصطناعى؟.. بل: كيف نتعايش معه؟ وكيف نضمن أن يخدم الإنسان بدلًا من أن يتحول إلى مصدر لعدم الاستقرار أو زيادة الفجوات بين الدول والمجتمعات؟.
ومن هنا يطرح الرئيس الصينى رؤية تقوم على أن يكون الإنسان هو محور التطور، وأن يصبح الذكاء الاصطناعى أداة لتحقيق الرفاه المشترك، لا وسيلة لاحتكار الثروة أو النفوذ. ويؤكد أن جميع الدول ينبغى أن تتعاون لبناء نظام عالمى عادل لإدارة هذه التكنولوجيا، بحيث لا تنفرد دولة واحدة بوضع قواعد اللعبة.
ولتحقيق ذلك، عرض أربع ركائز رئيسية:
الركيزة الأولى هى الانفتاح والتعاون. فالتقدم العلمى، فى رأيه، لا ينبغى أن يبقى حكرًا على أحد.
أما الركيزة الثانية فهى الأمن والرقابة. فالذكاء الاصطناعى، رغم إمكاناته الهائلة، يحمل مخاطر كامنة وأخرى قد تنشأ من سوء الاستخدام. ولذلك يدعو إلى تطوير القوانين، وآليات المراقبة، وأنظمة الإنذار المبكر، والاستجابة للطوارئ، بحيث يبقى الذكاء الاصطناعى دائمًا تحت سيطرة الإنسان. وفى الوقت نفسه يحذر من استخدام ذريعة «الأمن القومي» لتقييد التعاون الدولى أو فرض الهيمنة التقنية.
الركيزة الثالثة هى احترام التنوع الحضارى. فالتكنولوجيا، كما يؤكد، يجب ألا تؤدى إلى تذويب الثقافات المختلفة أو فرض نموذج حضارى واحد على العالم. بل ينبغى أن تساعد على تعزيز التفاهم والتسامح والتبادل الثقافى، وأن تخدم القيم الإنسانية المشتركة مع الحفاظ على خصوصية كل حضارة.
أما الركيزة الرابعة فهى الحوكمة العالمية. تنظيم الذكاء الاصطناعى ينبغى أن يتم فى إطار تعددى تقوده الأمم المتحدة، مع تنسيق القواعد والمعايير الفنية بين الدول، ومساعدة دول الجنوب على بناء قدراتها حتى لا تتحول الثورة الرقمية إلى شكل جديد من أشكال الظلم التاريخى.
ثم استعرض الرئيس التجربة الصينية فى هذا المجال، وما حققته بلاده من تقدم، وخططها البحثية والتطبيقية خلال السنوات المقبلة.
وفى الوقت نفسه شدد على أن بلاده لا تفصل بين التطوير والأمن، بل تعمل على تحديث القوانين، والضوابط الأخلاقية، والمعايير التنظيمية بصورة مستمرة، لضمان أن يتقدم الذكاء الاصطناعى بسرعة، ولكن أيضًا باستقرار ومسؤولية.
كما عرض سلسلة من المبادرات الدولية التى تبنتها الصين خلال السنوات الأخيرة، من بينها دعم قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن التعاون الدولى فى بناء القدرات، وإطلاق مبادرات للتعاون العالمى، والدعوة إلى إنشاء منظمة عالمية للتعاون فى مجال الذكاء الاصطناعى يكون مقرها فى شنغهاى.
وأعلن كذلك عن أن الصين ستوفر خلال السنوات الخمس المقبلة خمسة آلاف فرصة تدريب للدول النامية، وستنشئ مراكز تعاون مع جامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقى، ودول أمريكا اللاتينية والكاريبى، ومنظمة شنغهاى للتعاون، ومجموعة بريكس، كما ستتيح لعشرات الدول الاستفادة من أنظمة الإنذار المبكر المعتمدة على الذكاء الاصطناعى.
واختتم الرئيس كلمته بحكمة صينية قديمة تقول «صاحب المعرفة يحسن التصرف وفق الظروف، أما الحكيم فيحسن التكيف مع التغيرات.»
وأكد أن الذكاء الاصطناعى يجب أن يظل موجَّهًا بالحكمة الإنسانية، وبالتوافق الدولى، حتى يصبح قوة تزيد رفاه الإنسان وترتقى بالحضارة، لا سببًا لصراعات جديدة.
وأياً كانت نظرتنا إلى الرؤية الصينية فإن الرسالة الأساسية تبدو واضحة: المنافسة العالمية، بل مستقبلنا جميعًا، لم يعد رهنًا فقط بمن يمتلك ويستخدم الذكاء الاصطناعى، بل أيضًا بمن يضع قواعده وأخلاقياته، ويبنى مؤسساته الدولية.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم