بث تجريبي

من الطائرات المسيّرة إلى الأسلحة المستقلة: ملامح الجيل الجديد من الحروب

تحليلات - Foresight

تشهد الحروب المعاصرة تحولات متسارعة بفعل التطور التكنولوجي، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية من الطائرات المسيّرة إلى الأسلحة المستقلة: ملامح الجيل الجديد من الحروب

المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وقد برزت هذه التحولات بشكل واضح في الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط، حيث أظهرت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قدرة على تغيير معادلات القوة بين الهجوم والدفاع. وفي الوقت ذاته، يتزايد الاهتمام الدولي بتطوير أنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة التي قد تمثل مرحلة جديدة في تطور العمليات العسكرية.

يناقش هذا التقرير تأثير انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة على موازين العمليات العسكرية، ويستعرض الجدل الدولي المتصاعد حول أنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة، إضافة إلى ملامح السياسة الأمريكية تجاه هذه التكنولوجيا الناشئة.

الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وتغيير معادلة الحرب

برزت الطائرات المسيّرة الإيرانية، خصوصًا طراز “شاهد-136”، كأحد أبرز الأمثلة على التحول في طبيعة الأدوات العسكرية المستخدمة في النزاعات الحديثة. فهذه الطائرات تتميز بتكلفة منخفضة نسبيًا تتراوح بين 20 ألف و50 ألف دولار للوحدة، مع قدرة على الطيران لمسافة تصل إلى 2000 كيلومتر، فضلًا عن امتلاكها أنظمة توجيه دقيقة.

وتكمن أهمية هذا النوع من الطائرات في قدرته على توفير ما يمكن وصفه بـ “الكتلة النيرانية الدقيقة منخفضة التكلفة”، وهو ما يسمح بتنفيذ هجمات متكررة بتكاليف محدودة مقارنة بالصواريخ التقليدية باهظة الثمن.

وقد مكّن هذا النمط من العمليات العسكرية إيران من خفض تكلفة العمليات الهجومية مع الحفاظ على استمرار حملاتها العسكرية، في الوقت الذي أدى فيه إلى رفع تكلفة الدفاع بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة.

ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي تمكنت من اعتراض نسبة كبيرة من هذه الطائرات – تقدر بنحو 80 إلى 85 في المائة – فإن استخدام الطائرات المسيّرة إلى جانب عدد محدود من الصواريخ الباليستية ساهم في استنزاف الموارد الدفاعية وإصابة بعض الأهداف العسكرية.

وتتضح المشكلة بشكل أكبر في اختلال ميزان التكلفة بين الهجوم والدفاع؛ إذ تعتمد أنظمة الاعتراض الأمريكية والإسرائيلية على منظومات دفاعية متطورة مثل “باتريوت”، وهي منظومات مرتفعة التكلفة مقارنة بالطائرات المسيّرة منخفضة السعر. ويؤدي هذا الاختلال إلى زيادة العبء المالي والتشغيلي على أنظمة الدفاع الجوي.

ومن هذه الزاوية، يشير عدد من التقديرات إلى أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها التكنولوجي، ما تزال تفتقر إلى منظومات طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والضربات بعيدة المدى بكفاءة اقتصادية مماثلة.

صعود أنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة

إلى جانب انتشار الطائرات المسيّرة، يتزايد الاهتمام العسكري بتطوير أنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة (LAWS)، وهي أنظمة تستخدم أجهزة استشعار وخوارزميات متقدمة لتحديد الأهداف والاشتباك معها بشكل مستقل من دون تدخل بشري مباشر بعد تفعيلها.

ويُعتقد أن هذه الأنظمة قد توفر مزايا عملياتية مهمة، خصوصًا في البيئات التي تتعرض فيها شبكات الاتصال للتشويش أو الانقطاع، وهي ظروف قد تعجز فيها الأنظمة التقليدية عن العمل بفعالية.

وعلى الرغم من أن هذه التكنولوجيا لا تزال في مراحل التطوير، فإنها تُعد من بين أكثر التقنيات العسكرية إثارة للجدل بسبب ما تطرحه من تساؤلات أخلاقية وقانونية حول دور الإنسان في اتخاذ قرار استخدام القوة.

السياسة الأمريكية تجاه الأسلحة المستقلة

لا تحظر السياسة الأمريكية تطوير أو استخدام أنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة، خلافًا لما يعتقده البعض. وقد وضعت وزارة الدفاع الأمريكية إطارًا تنظيميًا لهذه الأنظمة من خلال التوجيه رقم 3000.09 الصادر عام 2012، والذي جرى تحديثه عدة مرات، كان آخرها في عام 2023.

ويعتمد هذا الإطار التنظيمي على تصنيف الأنظمة وفق مستوى التدخل البشري في عملية اتخاذ القرار، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات رئيسية:

  1. أنظمة مستقلة بالكامل (Human out of the loop)
    تعمل من دون تدخل بشري بعد تفعيلها.
  2. أنظمة تحت إشراف بشري (Human on the loop)
    يستطيع المشغّل مراقبة عملية الاشتباك وإيقافها عند الضرورة.
  3. أنظمة شبه مستقلة (Human in the loop)
    لا تعمل إلا بعد تحديد الأهداف من قبل الإنسان.

ويؤكد التوجيه العسكري الأمريكي ضرورة أن تسمح هذه الأنظمة للقادة العسكريين بممارسة مستويات مناسبة من الحكم البشري في استخدام القوة، مع الالتزام بقوانين الحرب والمعاهدات الدولية وقواعد الاشتباك العسكرية.

كما يخضع تطوير هذه الأنظمة لعمليات اختبار وتقييم دقيقة لضمان قدرتها على العمل في ظروف العمليات الواقعية وتقليل مخاطر الأعطال أو الاستخدام غير المقصود.

إضافة إلى ذلك، يتطلب نشر هذه الأنظمة موافقة عدد من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، كما يلزم إخطار الكونغرس بأي تغييرات جوهرية في السياسات المتعلقة بها.

الجدل الدولي حول مستقبل هذه الأسلحة

منذ عام 2014، تدور مناقشات دولية حول تنظيم أو حظر أنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة بشأن بعض الأسلحة التقليدية. وقد تحولت هذه المناقشات إلى منصة رسمية تضم خبراء حكوميين لدراسة الأبعاد العسكرية والقانونية والأخلاقية لهذه التكنولوجيا.

وقد دعت نحو 30 دولة وأكثر من 160 منظمة غير حكومية إلى فرض حظر استباقي على هذه الأنظمة، بسبب المخاوف المرتبطة بالمسؤولية القانونية واحتمالات وقوع أخطاء عملياتية، إضافة إلى القلق من تراجع الدور البشري في قرارات استخدام القوة.

في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن هذه التكنولوجيا قد توفر مزايا إنسانية محتملة، مثل زيادة دقة الاستهداف وتقليل الأضرار الجانبية والخسائر المدنية إذا جرى استخدامها ضمن أطر قانونية واضحة.

بشكل عام، تعكس التطورات المرتبطة بالطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وأنظمة الأسلحة المستقلة القاتلة تحولًا عميقًا في طبيعة الحروب المعاصرة. فمن جهة، أدت الطائرات المسيّرة إلى إعادة تشكيل ميزان التكلفة بين الهجوم والدفاع، ما يفرض تحديات جديدة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية. ومن جهة أخرى، يفتح التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي الباب أمام جيل جديد من الأسلحة التي قد تغير مفهوم العمليات العسكرية في المستقبل. وفي ظل هذه التحولات، من المرجح أن يظل الجدل قائمًا حول كيفية تحقيق توازن بين الاستفادة من هذه التكنولوجيا المتقدمة والحد من مخاطرها الأخلاقية والقانونية والأمنية في النظام الدولي.