بث تجريبي

من المساعدات إلى الشراكة.. هل تعيد واشنطن تعريف تحالفها مع إسرائيل؟

تحليلات - Foresight

لم يعد النقاش داخل الولايات المتحدة يدور حول حجم المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، بل بدأ ينتقل إلى سؤال أكثر عمقًا: هل ما زالت العلاقة بين البلدين بحاجة إلى نموذج "المانح والمتلقي"، أم أن طبيعة التحولات العسكرية والتكنولوجية تفرض الانتقال إلى نموذج الشراكة الاستراتيجية؟

هذا التحول برز بوضوح مع مناقشة مشروع داخل الكونغرس الأمريكي يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب، عبر تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية السنوية المباشرة، واستبدالها بتعاون مؤسسي طويل الأمد في مجالات الصناعات الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والدفاع الصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

ويأتي هذا النقاش في توقيت حساس، مع اقتراب انتهاء مذكرة التفاهم الحالية الخاصة بالمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل عام 2028، والتي تبلغ قيمتها نحو 3.8 مليار دولار سنويًا، وفي ظل تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن تكلفة الدعم العسكري، خصوصًا بعد الحرب في غزة وما أثارته من انقسام سياسي وشعبي غير مسبوق.

لكن قراءة المشروع باعتباره مجرد تعديل في آلية التمويل تبدو قراءة قاصرة. فما يجري يعكس تحولًا أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بحجم الإنفاق العسكري، وإنما بامتلاك التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على تطوير منظومات دفاعية متطورة بسرعة وكفاءة. ومن هذا المنطلق، لم تعد إسرائيل تُنظر إليها فقط باعتبارها دولة تحتاج إلى دعم عسكري، بل باعتبارها شريكًا يمتلك خبرات تكنولوجية واستخباراتية يمكن أن تستفيد منها الولايات المتحدة نفسها.

ولهذا، يقترح المشروع إنشاء مكتب متخصص داخل وزارة الدفاع الأمريكية يتولى إدارة التعاون العسكري والتكنولوجي بين البلدين، والإشراف على برامج مشتركة لتطوير الأنظمة الدفاعية، بما يشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، إلى جانب توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية وفق ضوابط تحمي المصالح الأمنية الأمريكية.

هذه الصيغة تعكس انتقال العلاقة من مفهوم المساعدة إلى مفهوم الاستثمار المشترك. فبدلًا من أن تقتصر العلاقة على تمويل شراء الأسلحة، تصبح قائمة على إنتاج المعرفة العسكرية وتطوير التكنولوجيا بصورة مشتركة، بما يمنح الطرفين فوائد متبادلة.

غير أن هذا التحول لا يحظى بإجماع داخل الولايات المتحدة. فهناك تيار داخل الكونغرس يرى أن تحويل التعاون العسكري مع إسرائيل إلى التزام مؤسسي دائم قد يخلق تشابكًا يصعب فكه مستقبلًا، ويحد من قدرة واشنطن على اتخاذ قرارات مستقلة في مجالات الإنتاج العسكري أو تصدير التكنولوجيا الحساسة.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تجارب سابقة، أبرزها التعاون في تطوير منظومة القبة الحديدية، الذي كشف أن المصالح المشتركة لا تعني دائمًا تطابق المواقف السياسية، بعدما رفضت إسرائيل نقل بعض مكونات المنظومة إلى أوكرانيا خشية وصول تقنياتها إلى جهات تعتبرها معادية.

كما يثير المشروع تساؤلات تتعلق بالسيادة الصناعية والتكنولوجية الأمريكية. فكلما ازداد التشابك في سلاسل الإنتاج الدفاعي، ازدادت صعوبة الفصل بين المصالح الوطنية لكل طرف، وهو ما قد يفرض قيودًا غير مباشرة على حرية القرار الأمريكي في أوقات الأزمات.

في المقابل، يرى مؤيدو المشروع أن مثل هذا التعاون ليس استثناءً، بل امتداد لشراكات دفاعية قائمة بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها، مثل بريطانيا وأستراليا وكندا. ويعتقدون أن توسيع التعاون مع إسرائيل سيعزز القدرة التنافسية للصناعات الدفاعية الأمريكية، ويخفض تكاليف البحث والتطوير، ويمنح واشنطن أفضلية في سباق التكنولوجيا العسكرية الذي يشهد منافسة متزايدة مع الصين وروسيا.

والحقيقة أن النقاش الدائر اليوم يعكس تحولًا في مفهوم التحالفات العسكرية الأمريكية. ففي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، كان النفوذ الأمريكي يعتمد بدرجة كبيرة على تقديم المساعدات العسكرية للحلفاء. أما اليوم، ومع صعود الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة القتال الذكية، أصبحت الشراكات التكنولوجية أكثر أهمية من الدعم المالي المباشر.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستستمر الولايات المتحدة في دعم إسرائيل؟ فالإجابة على الأرجح هي نعم.

أما السؤال الأكثر أهمية فهو: كيف سيكون شكل هذا الدعم خلال العقد المقبل؟

إذا أُقر المشروع، فقد يشهد التحالف الأمريكي الإسرائيلي تحولًا تاريخيًا من علاقة تقوم على التمويل السنوي إلى شراكة مؤسسية طويلة الأجل في إنتاج التكنولوجيا العسكرية وصياغة الابتكار الدفاعي. أما إذا تعثر، فإن ذلك لن يعني نهاية التحالف، بل استمرار الجدل الأمريكي حول حدوده وتكلفته وطبيعته في عالم تتغير فيه موازين القوة وأنماط الحروب بوتيرة متسارعة.

وبذلك، قد لا يكون مشروع القانون مجرد تعديل إداري أو مالي، بل مؤشرًا على إعادة تعريف أحد أكثر التحالفات رسوخًا في السياسة الأمريكية، وتحويله من تحالف قائم على الدعم إلى تحالف قائم على تقاسم القدرات وصناعة القوة العسكرية المستقبلية.