بث تجريبي

الصين تعزز نفوذها في قطاع النيكل الاستراتيجي في كوبا

تقارير وملفات - ماريا زوبّيلو
ماريا زوبّيلو
خبيرة إيطالية مقيمة في ساو باولو، البرازيل، ولديها خلفية في الصحافة الاستقصائية

في ظلّ حالة من عدم اليقين التي تكتنف مشاركة شركة شيريت إنترناشيونال الكندية في قطاع النيكل الكوبي، بعد إعلانها الأولي عن خطط للانسحاب من إحدى مشروعاتها المشتركة مع نظام هافانا، تعمل الصين بشكل مطّرد على توسيع دعمها التكنولوجي لصناعة التعدين في الجزيرة. ويسهم إدخال معدات مورّدة من الصين لتحديث المنشآت المتقادمة في الحفاظ على أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة لدى النظام الكوبي، مع تعميق اندماج كوبا في سلاسل توريد المعادن الحيوية التي تزداد فيها هيمنة الصين.

وبحسب محللين، يثير هذا التوجه مخاوف تتعلق بالاعتماد الاستراتيجي، والسيادة الاقتصادية، وأمن سلاسل التوريد العالمية.

وقال آدم راتزلاف، مؤسس والرئيس التنفيذي لمركز الأبحاث «بان-أمريكان ستراتيجيك أدفايزرز»، لموقع ديالوغو: «تظل كوبا شريكًا مهمًا لبكين من الناحيتين السياسية والأيديولوجية». وأضاف أن «الصين، التي تسيطر بالفعل على جزء كبير من سلاسل توريد المعادن الحيوية عالميًا، في موقع يمكّنها من استثمار علاقتها مع كوبا لتوسيع نفوذها وتأمين الموارد التي تعتبرها لا غنى عنها».

تمتلك كوبا بعضًا من أكبر احتياطيات النيكل والكوبالت في العالم، تتركّز أساسًا في منطقة موآ-نيكارو التعدينية في مقاطعة هولغوين شرق البلاد. وتُعد هذه المعادن أساسية في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، وأنظمة تخزين الطاقة، وتقنيات الطاقة المتجددة، والإلكترونيات المتقدمة، فضلًا عن مجموعة واسعة من التطبيقات الصناعية والدفاعية.

ورغم أن حصة كوبا من الإنتاج العالمي لا تزال محدودة، فإن احتياطياتها تكتسب أهمية استراتيجية لكونها قابلة للاندماج في سلاسل توريد تهيمن عليها شركات صينية بالفعل، ما يعزز موقع بكين في سوق تُعدّ محورية لتقنيات المستقبل.

ومع تزايد أهمية المعادن الحيوية في سلاسل التوريد العالمية، يحذر محللون من أن تعاظم الحضور الصيني في قطاع التعدين الكوبي لن يوفّر للنظام الكوبي موارد مالية ودعمًا تكنولوجيًا إضافيًا فحسب، بل سيعزز أيضًا قدرة بكين على توسيع نفوذها في سلاسل التوريد التي تقوم عليها عملية التحول في مجال الطاقة، والصناعات المتقدمة، والصناعات الدفاعية الأساسية. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة اعتماد العديد من الدول على سلاسل توريد مرتبطة بالصين، بالتوازي مع توسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في منطقة الكاريبي.

احتياطيات الجزيرة الاستراتيجية
تُعدّ رواسب النيكل والكوبالت في موآ من أهم الأصول التعدينية في كوبا. إلا أن الجزيرة تعاني منذ سنوات من نقص في الموارد المالية والتكنولوجية والصناعية اللازمة لتطوير هذه الإمكانات بالكامل. وتُدار عمليات التعدين في موآ من خلال شركتي «كوماندانتي إرنستو تشي غيفارا» و«كوماندانتي بيدرو سوتو ألبا»، في حين أدى إغلاق مجمّع «كوماندانتي رينيه راموس لاتور» التاريخي في نيكارو عام 2012 إلى تقليص القدرة الإنتاجية للقطاع بشكل كبير. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإنتاج يعتمد على عدد محدود من المنشآت التي تدهورت حالتها نتيجة سنوات من نقص الاستثمار المزمن، وتأجيل أعمال الصيانة، واستمرار أزمات الطاقة، وسوء الإدارة الاقتصادية الأوسع في ظل النظام الكوبي.

وأدى هذا المزيج من تدهور البنية التحتية الصناعية، ونقص رأس المال الاستثماري، وصعوبة الوصول إلى التمويل، إلى زيادة اعتماد النظام الكوبي على شركاء أجانب قادرين على توفير التمويل والمعدات والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، أشار راتزلاف إلى أن «مشتريات الصين من المعادن الحيوية يمكن أن تصبح مصدرًا مهمًا للإيرادات والعملات الأجنبية للنظام الكوبي، بما يقرب البلدين أكثر من بعضهما».

وبعيدًا عن مجرد شراء المعادن، يحذر محللون من أن زيادة انخراط الشركات والتكنولوجيا الصينية قد تعمّق الاعتماد الهيكلي لكوبا على بكين في تشغيل أحد قطاعاتها الاستراتيجية والحفاظ على وصولها إلى الأسواق الدولية.

في الوقت نفسه، تسيطر الشركات الصينية على نحو 75% من قدرة تكرير النيكل في إندونيسيا، ما يجعلها لاعبًا مهيمنًا في أكبر دولة منتجة للنيكل في العالم. ومن شأن دمج الإنتاج الكوبي في سلاسل توريد مرتبطة بالصين أن يعزز هذا النفوذ. وقد تراجعت أسعار النيكل من أكثر من 40 ألف دولار للطن المتري في عام 2022 إلى نحو 15 ألف دولار في عام 2025، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى فائض المعروض من إندونيسيا. وقد عزّز هذا الاتجاه موقع بكين في سلاسل التوريد العالمية، مع تقليص القدرة التفاوضية للعديد من المنتجين وزيادة اعتماد الدول المصدّرة على الشبكات المرتبطة بالصين.

كما زادت الأسعار المنخفضة من الضغوط المالية على المنتجين مرتفعي التكلفة مثل كوبا، ما جعل دعم الشركاء الخارجيين القادرين على توفير التكنولوجيا والمعدات والوصول إلى الأسواق أكثر أهمية من أي وقت مضى.

الدور المتنامي لبكين
تُعد الصين من أبرز الوجهات لصادرات النيكل الكوبية. ووفقًا لبيانات «مرصد التعقيد الاقتصادي»، استوردت الصين ما يزيد على 53 مليون دولار من النيكل من كوبا في عام 2024.

غير أن اهتمام بكين يتجاوز التجارة بكثير. إذ تهدف استراتيجيتها إلى تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية عبر كامل سلسلة القيمة، من الاستخراج إلى المعالجة والتكرير، بما يعزز سلاسل التوريد التي تهيمن عليها بالفعل. ومن شأن إدماج كوبا في هذا النظام أن يوسّع نفوذها بشكل أكبر.

ففي عام 2004، أعلنت الصين وكوبا عن استثمار مشترك يتجاوز 500 مليون دولار لتحديث مصنع كاماريوكا في مقاطعة ماتانزاس عبر مشروع مشترك مع شركة «تشاينا مينميتالز»، إلا أن المشروع لم يُستكمل.

وبعد عقدين، ومع تزايد الأهمية الاستراتيجية للمعادن الحيوية، جدّدت الصين دعمها التكنولوجي لقطاع التعدين الكوبي. ففي أبريل الماضي، بدأ مصنع «إرنستو تشي غيفارا» تركيب جهاز تثخين جديد مورّد من الصين، يهدف إلى تحسين كفاءة عمليات ترشيح المعادن واستخلاصها.

وقال راتزلاف: «هذا يُظهر أنه رغم الصعوبات الاقتصادية في كوبا، لا يزال النظام يعتمد على داعمين دوليين ويجد سبلًا لتحقيق هوامش مالية». وأضاف أن ذلك يدل أيضًا على استمرار بكين في الاستثمار في المعادن الحيوية التي تعتبرها ضرورية لنموها الاقتصادي.

وتُعد الحالة الكوبية جزءًا من استراتيجية أوسع وسّعت من خلالها الشركات الصينية حضورها في مشروعات الليثيوم والنحاس وغيرها من المعادن الحيوية في أنحاء أمريكا اللاتينية. وتتيح هذه الاستثمارات لبكين تنويع مصادر الإمداد، وتوسيع نفوذها على الموارد الاستراتيجية، وتعزيز سلاسل التوريد الضرورية للصناعات المتقدمة.

ولا يقتصر التعاون بين بكين وهافانا على المعادن الحيوية، بل يشمل كذلك مجالات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والتكنولوجيا. ويرى محللون أن تنامي انخراط الصين في القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الكوبي يسهم في ترسيخ حضورها في نصف الكرة الغربي، مع توفير مصادر جديدة من الدعم الاقتصادي والتكنولوجي للنظام الكوبي.

وفي هذا السياق، فإن تزايد اندماج قطاع التعدين الكوبي في سلاسل توريد مرتبطة بالصين يتجاوز البعد الاقتصادي. فهو يعكس كيفية استخدام بكين للاستثمار والتكنولوجيا وإتاحة الوصول إلى الأسواق لتعزيز علاقاتها مع الحكومات الحليفة، وتوسيع نفوذها على الموارد الاستراتيجية، وترسيخ موقعها في صناعات حيوية لكل من الازدهار الاقتصادي والأمن القومي. كما تُظهر الحالة الكوبية، وفقًا للمحللين، كيف يواصل الدعم الصيني تزويد نظام هافانا بالموارد اللازمة للحفاظ على القطاعات الاستراتيجية في اقتصاده رغم الأزمة الاقتصادية الممتدة في الجزيرة.

واختتم راتزلاف قائلًا: «سيصبح من المهم بشكل متزايد أن يعمل الفاعلون الإقليميون معًا لتحديد ومواجهة المخاطر التي يطرحها تحكّم الصين في الصناعات الاستراتيجية والقطاعات الحيوية للاقتصاد».

نُشر هذا المقال في موقع «ديالوغو أميركاس».