بث تجريبي

هل يستطيع العراق التحول من ساحة للصراعات الإقليمية إلى وسيط دبلوماسي؟

تقارير وملفات - لوكاس تشابمان
لوكاس تشابمان
صحفي أمريكي مستقل مقيم في روج آفا. شغل لمدة عام منصب رئيس تحرير القسم الإنجليزي في وكالة «نورث برس»، كما ساهم بكتاباته في عدد من المنصات والمؤسسات الإعلامية والبحثية، من بينها «عرب نيوز»، و«معهد السلام الكردي»، و«ذا بوست إنترناسيونالي»، و«مجلة زينيث".

بعد أشهر من حرب إقليمية وجد العراق نفسه خلالها، مرة أخرى، عالقًا بين إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، تحاول بغداد تنفيذ تحول دبلوماسي طموح، عبر استضافة محادثات تأمل من خلالها في نقل البلاد من موقع ساحة للصراع إلى دور الوسيط.

ويهدف المقترح، الذي أعلن عنه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، إلى جمع العراق وإيران والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لبحث الأمن الإقليمي والشراكات الاقتصادية.

وقد رحبت طهران بالمبادرة، مقدمة إياها باعتبارها جزءًا من إطار أمني خليجي جديد تقوده دول المنطقة نفسها بدلًا من قوى أجنبية بعيدة. أما بالنسبة إلى بغداد، فيمثل المقترح فرصة لإظهار العراق باعتباره أكثر من مجرد ساحة للتنافسات الإقليمية.

لكن محللين يرون أن قدرة العراق على الاضطلاع بهذا الدور لن تعتمد فقط على استعداده لاستضافة المحادثات، وإنما أيضًا على مدى قدرته على إقناع دول الخليج بأنه يستطيع السيطرة على الجماعات المسلحة الناشطة داخل أراضيه.

وقالت لهيب هيغل، كبيرة محللي شؤون العراق في مجموعة الأزمات الدولية، لـ«عرب نيوز»: «سيستفيد العراق دبلوماسيًا من تسهيل مسار حوار جديد بين إيران ودول الخليج، بالنظر إلى تردي علاقاته الحالية مع دول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب الحرب الإيرانية».

وتأتي المبادرة في لحظة حساسة بالنسبة إلى الحكومة العراقية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي يسعى إلى تعزيز الانخراط الدبلوماسي مع دول الخليج، وجذب الاستثمارات، وإظهار قدرة بغداد على الاضطلاع بدور فاعل على الساحة الإقليمية.

كما تأتي في وقت يسعى فيه الزيدي إلى إعادة صياغة علاقة العراق بواشنطن.

وخلال أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، حيث أشاد به الرئيس الأمريكي ووصفه بأنه «بطل»، متعهدًا بتعزيز التعاون الاقتصادي، بما في ذلك استثمارات جديدة في قطاع الطاقة.

وكان الزيدي، الذي جعل مكافحة الفساد وتقليص نفوذ الميليشيات وإنعاش الاقتصاد العراقي من الركائز الأساسية لرئاسته للحكومة، قد قال لترامب إن «القوات الأمريكية ستغادر، والشركات الأمريكية ستدخل»، في تعبير يعكس طموحه إلى تحويل العلاقات الثنائية من شراكة تركز على الجانب الأمني إلى علاقة تقوم بصورة أكبر على الاستثمار وإعادة الإعمار.

غير أن الصراع مع إيران عقّد آمال العراق في تعزيز انخراطه مع دول الخليج.

فقد أبلغت جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست عن تعرضها لهجمات أو عمليات اعتراض أو أضرار مرتبطة بنشاط الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية خلال الحرب. كما أدت تقارير أفادت بأن بعض هذه الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية إلى تصاعد المخاوف بشأن قدرة بغداد على احتواء الجماعات المدعومة من إيران.

ومن المرجح أن تؤثر هذه المخاوف في كيفية استجابة دول الخليج للمقترح العراقي.

وعندما سُئلت هيغل عن مدى ارتباط مصداقية العراق كوسيط بقدرته على السيطرة على الجماعات المسلحة، قالت: «قد يكون ذلك عاملًا حاسمًا بالنسبة إلى دول الخليج، لكنها حريصة أيضًا على منح الحكومة الجديدة فرصة».

وقد انعكس هذا المزيج من القلق والانفتاح في الرياض هذا الأسبوع. ففي يوم الثلاثاء، رحبت الحكومة السعودية بالمباحثات بين المملكة والعراق، بما في ذلك التزام بغداد بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية في تنفيذ أعمال عسكرية ضد دول الخليج.

ومن المرجح أن يشكل هذا المزيج، القائم على الحذر إزاء قدرات بغداد مع الاستعداد في الوقت نفسه لاختبار جدية الحكومة الجديدة، طبيعة الحوار المقترح.

ورغم أن دول الخليج لم تضع حتى الآن مطالب محددة ترتبط بالدور العراقي المقترح في تيسير الحوار، قالت هيغل إنه «بوجه عام، تتوقع دول الخليج من الحكومة العراقية بذل المزيد لاحتواء الجماعات التي شنت هجمات على دول مجلس التعاون الخليجي».

لطالما حاول العراق الحفاظ على توازن دقيق بين القوى المتنافسة، من خلال الاحتفاظ بعلاقات مع كل من واشنطن وطهران، بالتوازي مع السعي إلى توثيق علاقاته مع جيرانه الخليجيين.

وقالت هيغل إن العراق يمكنه، من الناحية النظرية، الانتقال من كونه ساحة للتنافسات الإقليمية إلى طرف يساهم في صياغة الأمن الإقليمي، «لكن تحقيق ذلك يظل احتمالًا بعيدًا، بالنظر إلى أن العراق عالق بين الولايات المتحدة وإيران».

وأضافت: «على مدى العقدين الماضيين، اضطر العراق إلى إيجاد سبل للسير على حبل مشدود».

وأشارت إلى أنه ما دامت الأعمال العدائية مستمرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فإن تحقيق تحول حقيقي في دور العراق سيظل بعيد المنال.

كما أن دعم إيران للمبادرة التي تقودها بغداد يظل مفتوحًا أمام تفسيرات متعددة.

وقال جون كالابريس، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط، لـ«عرب نيوز»: «ترى إيران فرصة لخفض التوترات الإقليمية، وإضعاف الجهود الرامية إلى عزلها دبلوماسيًا، والحصول على قبول أكبر باعتبارها طرفًا إقليميًا شرعيًا، والأهم من ذلك، تجاوز الولايات المتحدة».

ولطالما عارضت إيران اضطلاع الولايات المتحدة بدور مهيمن في أمن الخليج. ففي مايو، حث المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي دول الخليج على عدم الاعتماد على ما وصفه بـ«الأمن المستعار»، معتبرًا أن وجود القوات الأمريكية في المنطقة يمثل مصدرًا لعدم الاستقرار.

وقال كالابريس: «يتيح منتدى تستضيفه بغداد لطهران إظهار أن أمن الخليج ينبغي أن تديره دول المنطقة نفسها، وهو موقف تتبناه الجمهورية الإسلامية منذ فترة طويلة».

وأضاف أن النفوذ الإيراني داخل العراق يمنح طهران سببًا إضافيًا للنظر إلى بغداد باعتبارها مكانًا مناسبًا لمثل هذا الحوار.

لكن دول الخليج لم تتعامل مع العراق باعتباره مجرد امتداد للنفوذ الإيراني. ففي السنوات الأخيرة، وسعت السعودية والإمارات وقطر انخراطها الدبلوماسي والاقتصادي مع بغداد من خلال مبادرات في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار.

وقالت هيغل إن دول الخليج من غير المرجح أن تنظر تلقائيًا إلى حوار تستضيفه بغداد باعتباره يخدم المصالح الإيرانية، «خصوصًا أنها رحبت بتعيين الزيدي وتسعى إلى إخراج العراق من دائرة النفوذ الإيراني».

وأضافت: «لكنها قد تشكك في قدرة العراق على أداء مثل هذا الدور في الوقت الراهن».

ويبرز هذا التمييز تحديًا عمليًا يواجه بغداد؛ فقد يكون العراق مقبولًا بوصفه مكانًا لاستضافة المحادثات، لكن قدرته على التحول إلى وسيط يقود عملية أوسع لبناء منظومة أمن إقليمي تظل أقل يقينًا بكثير.

وقال كالابريس إن أي عملية من هذا النوع تحتاج إلى إجراءات ملموسة لبناء الثقة حتى تؤخذ على محمل الجد، مضيفًا: «في هذه المرحلة، الكلمات لا تعني شيئًا».

وقد تشمل هذه الإجراءات «مزيدًا من الشفافية بشأن أنشطة الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتزامات أقوى بمنع الاحتكاك والصدام في المجال البحري، وخطوات ملموسة لكبح الجماعات المسلحة المدعومة من إيران ومنعها من القيام بأعمال قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي».

ويرى كالابريس أن دعم طهران لإطار أمني جديد يمثل على الأرجح «تكيفًا براغماتيًا» أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا.

وقال: «لا أرى أدلة تذكر على أن إيران تخلت عن اعتمادها على الردع باستخدام الصواريخ والوكلاء والقدرات غير المتكافئة. بل إن ظروف الحرب وديناميكياتها أثبتت، على العكس، قيمة هذه الأدوات».

ويثير ذلك سؤالًا جوهريًا بشأن مقترح بغداد: هل طهران مستعدة بالفعل لفرض قيود حقيقية على الأدوات التي شكلت نهجها الإقليمي؟

وقال كالابريس: «بالنسبة إلى إيران، يؤدي العراق عدة وظائف؛ فهو جار استراتيجي مهم، وشريك اقتصادي، وساحة تحتفظ فيها طهران بنفوذ سياسي كبير».

وفي الوقت نفسه، لا يمثل العراق مجرد ساحة سلبية للأحداث. فقد سعت بغداد إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، بالتزامن مع زيادة العواصم الخليجية انفتاحها على العراق. وقال كالابريس إن هذا التوازن «قد يجعل العراق منصة موثوقة للحوار الإقليمي».

ولدى بغداد بالفعل خبرة سابقة في استضافة المحادثات الإقليمية؛ إذ استضاف العراق الجولات الأولى من الحوار السعودي الإيراني قبل اتفاق استئناف العلاقات بين الرياض وطهران عام 2023 بوساطة صينية.

لكن استضافة المحادثات تختلف كثيرًا عن بناء إطار أمني مستدام، إذ يتطلب الأخير معالجة قضايا الصواريخ والطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة والأمن البحري، فضلًا عن تجاوز حالة انعدام الثقة العميقة التي خلفتها أشهر من الصراع.

وقال كالابريس عن العقبات التي تواجه بناء عملية أمنية مستدامة: «انعدام الثقة يمثل بالتأكيد إحدى أكبر العقبات».

وأضاف أن انعدام الثقة المتبادل ازداد عمقًا، لأن طهران تنظر إلى دول الخليج باعتبارها متواطئة في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها، في حين أن «دول الخليج غاضبة بشدة من تحولها إلى أهداف للرد الإيراني».

وقد سعى الزيدي إلى طمأنة كل من واشنطن والعواصم الخليجية إلى أن حكومته تعتزم تعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة.

وتعهد بعدم السماح لأي جماعات مسلحة بالعمل خارج سيطرة الحكومة بمجرد أن ينهي التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مهمته رسميًا في العراق في 30 سبتمبر.

وفي حين أبدت عدة فصائل موالية لإيران استعدادها للتعاون، لا تزال فصائل أخرى ترفض نزع سلاحها، وهو ما يسلط الضوء على القيود السياسية والأمنية التي تواجه بغداد.

وقد تزيد الولايات المتحدة وإسرائيل أيضًا من تعقيد أي عملية تقودها بغداد.

وقال كالابريس: «لا أعرف أيضًا كيف ستستجيب الولايات المتحدة، ناهيك عن إسرائيل. فقد تتحول إحداهما أو كلتاهما إلى عامل معرقل للعملية».

وقد أصبحت هذه التحديات أكثر حدة في أعقاب التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران.

فخلال هذا الأسبوع، استهدفت القوات الأمريكية أهدافًا عسكرية إيرانية مرتبطة بالعمليات حول مضيق هرمز، ما دفع إيران إلى شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد شركاء الولايات المتحدة في الخليج، في حين جرى اعتراض طائرات مسيّرة مفخخة فوق إقليم كردستان العراق.

وقد عزز تجدد القتال الحاجة الملحة إلى الحوار الذي تقترحه بغداد، لكنه أظهر أيضًا مدى السرعة التي يمكن بها للتوترات الإقليمية أن تتجاوز قدرة الدبلوماسية العراقية على مواكبتها.

وهكذا يجد العراق نفسه أمام محاولة لجمع الأطراف إلى طاولة الحوار وسط شبكة من الصراعات المتداخلة: بين إيران ودول الخليج، وبين إيران والولايات المتحدة، وبين إيران وإسرائيل، فضلًا عن التوتر بين الدولة العراقية والجماعات المسلحة الناشطة داخل أراضيها.

وبالنسبة إلى حكومة الزيدي، تبدو المكاسب المحتملة واضحة؛ إذ يمكن لقمة ناجحة أن تعزز مكانة العراق الإقليمية، وتساعد في إصلاح علاقاته مع دول الخليج، وتقوي فرص بغداد في جذب الاستثمارات إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

لكن المخاطر واضحة أيضًا.

فإذا نُظر إلى المنتدى باعتباره يمنح طهران منفذًا دبلوماسيًا من دون أن يؤدي إلى خفض الهجمات أو كبح الجماعات المسلحة، فمن غير المرجح أن تتبدد شكوك دول الخليج بشأن قدرة بغداد على أداء هذا الدور.

وإذا لم يتمكن العراق من منع الجماعات المسلحة المدعومة من إيران والناشطة داخل أراضيه من جره إلى مزيد من التصعيد الإقليمي، فقد يظل دوره مقتصرًا على استضافة الحوار بدلًا من التحول إلى وسيط حقيقي.

في الوقت الراهن، تبدو نافذة الفرصة أمام العراق ضيقة، لكنها حقيقية. فدول الخليج تبدو مستعدة لمنح حكومة الزيدي فرصة، وإيران ترى فائدة في إطلاق مسار إقليمي للحوار، فيما تملك بغداد كل الأسباب التي تدفعها إلى اغتنام دور دبلوماسي يمكن أن يمنحها مزيدًا من الاعتراف والاستثمارات ويعيد إليها ثقلها الإقليمي.

وبينما أثبتت بغداد استعدادها لجمع الأطراف إلى طاولة الحوار، فإن الاختبار الأكبر يظل متمثلًا في قدرتها على السيطرة على ما يحدث خارج هذه الطاولة.