معرض القاهرة الدولي للكتاب: الثقافة بين الاستمرارية والتحوّل
منذ انطلاقه عام 1969، رسّخ معرض القاهرة الدولي للكتاب مكانته بوصفه أحد أكبر وأقدم المعارض الثقافية في العالم العربي، وواحدًا من أضخم معارض الكتاب عالميًا من حيث عدد الزوار والمشاركين. وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، لم يكن المعرض مجرد فضاء لعرض الكتب وبيعها، بل تحوّل إلى ظاهرة ثقافية سنوية تعكس تحولات المجتمع المصري والعربي في علاقته بالمعرفة، والقراءة، وصناعة النشر.
الحجم والدلالة المؤسسية
تُبرز الأرقام الحديثة حجم هذا الحدث ودلالته. ففي دورته السابعة والخمسين (2026)، شارك في المعرض نحو 1,457 دار نشر من 83 دولة، موزعة على أكثر من 6,600 جناح، فيما تجاوز عدد الزوار حاجز المليوني زائر خلال أيام المعرض. هذه الأرقام لا تشير فقط إلى كثافة جماهيرية، بل تعكس أيضًا استمرار القاهرة بوصفها مركز ثقل في صناعة النشر العربية، رغم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تشهدها هذه الصناعة.
وتنظم المعرض الهيئة المصرية العامة للكتاب، بما يمنح الحدث طابعًا مؤسسيًا واضحًا، ويضعه في موقع تقاطع بين السياسات الثقافية الرسمية والسوق الثقافية المفتوحة. هذا التداخل بين الرسمي والتجاري يمنح المعرض خصوصيته، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة حول طبيعة الدور الذي تؤديه الدولة في توجيه المشهد الثقافي.
خريطة النشر: الكمّ والكيف
تعكس خريطة العناوين المعروضة تنوعًا واسعًا، يمتد من الرواية والأدب الجماهيري، مرورًا بكتب الأطفال والتنمية الذاتية، وصولًا إلى الفكر السياسي، والتاريخ، والدراسات الأكاديمية. غير أن هذا التنوع لا يعني بالضرورة توازنًا. فالنشر التجاري واسع الانتشار يحظى بالحضور الأبرز من حيث المساحات والترويج، في حين يبقى النشر الفكري المتخصص أقل بروزًا، وإن حافظ على وجوده كجزء من هوية المعرض التاريخية.
وتكشف هذه الخريطة عن مفارقة لافتة: معرض يُعد الأكبر عربيًا من حيث الحجم، لكنه لا يعكس دائمًا الثقل نفسه من حيث النقاشات المعرفية العميقة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول العلاقة بين السوق الثقافية ومتطلبات الإنتاج الفكري الجاد.
الجمهور: القراءة كطقس اجتماعي
يمثل الجمهور عنصرًا محوريًا في تجربة معرض القاهرة. فالإقبال الكثيف، لا سيما من فئة الشباب، يشير إلى استمرار الكتاب بوصفه رمزًا ثقافيًا، وطقسًا اجتماعيًا يتجاوز فعل القراءة الفردي. غير أن طبيعة هذا الإقبال تكشف أيضًا عن تحوّل في أنماط القراءة، حيث تميل شريحة واسعة من الزوار إلى العناوين السهلة أو المرتبطة بالترفيه الثقافي.
ومع ذلك، يظل المعرض مساحة نادرة للاحتكاك المباشر بالكتاب في سياق تتراجع فيه المكتبات العامة، وتضعف فيه جسور الربط بين المؤسسات التعليمية والإنتاج المعرفي. ومن هذه الزاوية، لا يمكن التقليل من قيمة المعرض كحدث يُعيد للكتاب حضوره في المجال العام.
الفعاليات الثقافية: بين الحوار والتمثيل
يضم البرنامج الثقافي للمعرض مئات الندوات والأمسيات وورش العمل، تغطي موضوعات أدبية وفكرية وفنية. غير أن أثر هذه الفعاليات يظل متفاوتًا. ففي كثير من الحالات، تتحول الندوات إلى عروض خطابية أكثر منها مساحات حوار نقدي مفتوح، سواء بسبب ضيق الوقت أو طبيعة الاختيارات التنظيمية.
ورغم ذلك، يبقى المعرض إحدى المنصات القليلة التي تتيح نقاشًا عامًا — ولو محدودًا — حول قضايا الثقافة والهوية والتاريخ، في فضاء جماهيري واسع.
المعرض والتحول الرقمي
يبرز معرض القاهرة الدولي للكتاب أيضًا بوصفه مؤشرًا على التوتر القائم بين الكتاب الورقي والتحول الرقمي. فعلى الرغم من هيمنة الكتاب المطبوع، تظهر محاولات خجولة للترويج للنشر الإلكتروني والمنصات الرقمية. ويعكس هذا الوضع فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول «التحول الرقمي» والواقع الفعلي لصناعة النشر العربية، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النموذج التقليدي.
خاتمة
في المحصلة، لا يمكن اختزال معرض القاهرة الدولي للكتاب في كونه حدثًا سنويًا لبيع الكتب، بل ينبغي قراءته بوصفه مرآة للثقافة العربية المعاصرة، بما تحمله من تناقضات بين الكم والكيف، وبين الجماهيرية والعمق، وبين الاستمرارية والتجديد.
فهو فضاء تتجاور فيه المعرفة الجادة مع الاستهلاك الثقافي السريع، وتنعكس فيه السياسات الثقافية الرسمية بقدر ما تظهر مبادرات فردية تحاول الحفاظ على معنى الكتاب بوصفه أداة تفكير لا مجرد سلعة. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الزخم الجماهيري الهائل إلى أثر معرفي مستدام، يتجاوز أيام المعرض إلى فضاءات القراءة، والبحث، والنقاش العام.
