مؤسسة غير ربحية

طبول الحرب تُقرع من بعيد

مقالات د. ذيب القرالة - د. ذيب القراله

القرارات والإجراءات واللقاءات والاستعراضات التي شهدتها الساحة الدولية خلال الفترة الماضية، تعطي مؤشرًا قويًا على أن دول العالم الفاعلة تتحضّر وتستعد وتدخل مرحلة تعبئة عسكرية واضحة تحاكي أجواء ما قبل الحروب الكبرى، وتعيد رسم سياساتها ومواقفها واصطفافاتها، تحسبًا لتطورات دراماتيكية قادمة.

ولعل الرسالة الغامضة التي وجّهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العالم مؤخرًا، وقال فيها حرفيًا: "لا شيء يمكنه أن يوقف ما هو قادم"، تُقدّم جزءًا من الصورة التي يمكن أن تتشكل خلال الأشهر والسنوات المقبلة، وصولًا إلى مرحلة يتم فيها تجذير حالة الردع المتداعية، أو تعزيز فرص الحرب المتسارعة. وهي الرسالة التي جاءت قبل أيام من قرار تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، في خطوة سياسية تعكس الذهنية القائمة على الاستعداد الفعلي لاستخدام القوة.

فمنذ انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تكن أعصاب مراكز صناعة القرار في العالم مشدودة كما هي الآن، ولم تُتخذ قرارات أو إجراءات كتلك التي نعيشها هذه الأيام، سواء على مستوى تصعيد خطاب التهديد النووي، أو العودة إلى سباق التسلح، وانهيار الاتفاقيات التي عالجته عمليًا خلال السنوات الثلاثين الماضية.

في أوروبا، أعلنت ألمانيا - في تحوّل تاريخي - مضاعفة ميزانيتها للدفاع لتصل إلى 3.5٪ من ناتجها القومي الإجمالي، وقررت إعادة العمل بالتجنيد الإجباري، فيما أعلنت بريطانيا أكبر زيادة مستدامة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، لتصل إلى 2.5٪ من الناتج المحلي، وصولًا إلى 3٪ لاحقًا. وفي الوقت نفسه، تعتمد فرنسا مفهوم اقتصاد الحرب وتجري تدريبات على التعبئة الوطنية وتحضير المستشفيات لاستقبال عشرات الآلاف من الجرحى في حالات الطوارئ. وتشير الأرقام إلى أن الاتحاد الأوروبي رفع إنفاقه العسكري خلال العام الماضي إلى مستوى قياسي بلغ 343 مليار يورو، بزيادة بلغت 19٪.

ولم تتوقف هذه الاستعدادات عند المعسكر الغربي، بل تزامنت مع رسائل خشنة من الطرف الآخر؛ فروسيا تعلن أنها تمتلك صواريخ جديدة قادرة على ضرب أي عاصمة أوروبية في غضون دقائق، وتلوّح باستخدام النووي، والصين استعرضت قبل أيام قوتها العسكرية النووية الفائقة (الجوية والبرية والبحرية) وصواريخها الفرط صوتية، بحضور رؤساء الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وهو الأمر الذي أثار غضبًا أمريكيًا كبيرًا.

إقليميًا، تبني تركيا ملاجئ في عموم ولاياتها تحسبًا للحروب، وتطوّر صناعتها العسكرية بصورة لافتة، وإسرائيل تجري صيانة للملاجئ وتعزز مخزونها الغذائي.

التقارير البحثية الصادرة عن معهد ستوكهولم (SIPRI)، والمعلومات الاستخبارية المتبادلة، تؤكد أن انهيار اتفاقيات ضبط التسلح أدخل العالم في سباق تسلح جديد، ودفع جميع القوى النووية إلى توسيع ترساناتها في آنٍ واحد، فيما تؤكد استطلاعات الرأي العام التي أُجريت هذا العام أن أكثر من نصف مواطني الدول الكبرى يعتقدون أن حربًا عالمية ثالثة من المتوقع أن تندلع خلال السنوات القادمة.

كل ما سبق يعني أن سباق التسلح قد أفاق من سباته، وأن الحرب الباردة أطلت برأسها من جديد، وسنرى ترجمتها في حروب الوكالة وفي التحالفات الجديدة التي ستنشأ. لذلك، فإن إمكانية حدوث الحروب الإقليمية ستبقى قائمة، والحرب الكبرى ربما تندلع في نهاية المطاف جراء سوء الحسابات.

 

* مدير شبكة الاستشراف الدولية

وبما أننا جزء من هذا العالم الذي يتحضّر ويتعسكر من جديد، فإن على الدول العربية ألا تقف موقف المتفرج على كل ما يجري، سواء على مستوى الجهوزية والاستعداد، ووضع الخطط الاستراتيجية الخاصة بالتعبئة الوطنية، وامتلاك السلاح، وبناء الملاجئ، وتوفير المخزون الاستراتيجي من الغذاء، أو على مستوى التحالفات والاصطفافات وقراءة المشهد الدولي من مختلف جوانبه، والتحضير لتقلّباته ومفاجآته منذ الآن، داخليًا وخارجيًا.