مؤسسة غير ربحية

القرار الفرنسي وبنية الأمن الأوروبي

دراسات وأبحاث - شبكة الاستشراف

في 21 ديسمبر، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال خطاب ألقاه أمام القوات الفرنسية في دولة الإمارات العربية المتحدة، التزام باريس بتطوير حاملة طائرات جديدة تعمل بالطاقة النووية. ويعكس هذا القرار خياراً استراتيجياً طويل الأمد يكرّس اعتماد فرنسا على قدرة سيادية مستقلة لإسقاط القوة البحرية، تمتد آثارها التشغيلية لأكثر من خمسة عقود. ومن المقرر أن تظل الحاملة في الخدمة حتى عام 2080، ما يجعل المشروع أكبر استثمار دفاعي فرنسي من حيث الحجم والتأثير الاستراتيجي منذ جيل كامل. وفي المقابل، تكشف هذه الخطوة عن فجوة بنيوية في القدرة الأوروبية الجماعية، إذ تواصل النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي التركيز على تقاسم الموارد وتنسيق القدرات، في حين أن منظومة إسقاط القوة البحرية المتقدمة التي عجزت الأطر المشتركة عن إنتاجها تتحقق فعلياً عبر قرار وطني فرنسي منفرد.

يندرج قرار بناء حاملة الطائرات النووية ضمن تقييم قدمه الرئيس إيمانويل ماكرون لطبيعة البيئة الأمنية الدولية، والتي وصفها بـ«عصر المفترسات»، في إشارة إلى عودة منطق المنافسة القوية بين الدول وقدرة الفاعلين على فرض مصالحهم عبر القوة الصلبة، ولا سيما في المجال البحري. ووفق هذا الإطار، تُمكّن الحاملة فرنسا من تنفيذ عمليات بعيدة المدى تمتد من قناة السويس إلى المحيط الهادئ دون الاعتماد على البنية التحتية العسكرية للحلفاء أو القيود السياسية المرتبطة بإذن الاستخدام. ويعكس تصريح ماكرون في يوليو 2025، الذي ربط فيه بين الحرية والقدرة على فرض الردع، تصوراً للأمن يقوم على امتلاك أدوات سيادية قابلة للتوظيف المستقل. ويترجم الاستثمار طويل الأمد في القدرات الصناعية والعسكرية—بما يشمل أحواض بناء السفن والجاهزية التشغيلية الممتدة لأكثر من خمسة عقود—هذا التوجه إلى التزام مادي ملموس، في وقت لم تتمكن فيه الأطر الأوروبية الجماعية من تطوير قدرة مماثلة من حيث الاستقلالية والقدرة على إسقاط القوة.

تظل حاملة الطائرات «شارل ديغول»، التي دخلت الخدمة عام 2001، الحاملة الوحيدة في الخدمة لدى البحرية الفرنسية. ومن المقرر أن تدخل الحاملة النووية الجديدة الخدمة في عام 2038، على أن تُحال «شارل ديغول» إلى التقاعد في حدود عام 2040، بما يضمن استمرارية قدرة حاملات الطائرات الفرنسية مع احتمال وجود فترة تداخل تشغيلي محدودة. وتكتسب هذه الاستمرارية أهمية خاصة لدولة تمتلك شبكة واسعة من أقاليم ما وراء البحار موزعة بين الكاريبي وأمريكا الجنوبية والمحيطين الهندي والهادئ، وتتطلب متطلبات دفاعية وأمنية بعيدة عن المجال القاري الفرنسي. وبإزاحة تُقدَّر بنحو 78 ألف طن، ستكون الحاملة الجديدة ضعف إزاحة «شارل ديغول» وأكبر سفينة حربية تُبنى في أوروبا حتى الآن. وتُعد حاملات الطائرات من أكثر منظومات القوة العسكرية كلفة وتعقيداً، نظراً لاعتمادها على قاعدة صناعية متقدمة واستثمارات ممتدة لعقود، ما يربط الحكومات المتعاقبة بالتزامات مالية وتشغيلية طويلة الأجل. ويعكس هذا الخيار تبنّي فرنسا نموذج إسقاط قوة مستقل يستند إلى التقليد الغولي في الاستقلالية الاستراتيجية، والقائم على اتخاذ قرارات الأمن والدفاع الوطني وفق اعتبارات سيادية فرنسية ومن دون الحاجة إلى تفويض خارجي.

تحافظ البحرية الفرنسية على حضور عملياتي دائم في عدد من البيئات البحرية المتنازع عليها، ويجري هذا الانتشار بصورة منهجية تحت قيادة وطنية فرنسية. ففي البحر الأحمر ومنطقة الخليج، تنفذ الفرقاطات الفرنسية دوريات منتظمة لحماية ممرات الملاحة الدولية واعتراض التهديدات الناشئة بصورة مستقلة. وعقب تصاعد الهجمات التي شنها الحوثيون، جرى تعزيز الانتشار البحري الفرنسي من خلال نشر قدرات إضافية دون المرور بآليات تنسيق حلفية. وعلى نحو مماثل، ومع ارتفاع مستويات التوتر في الخليج في يونيو 2025، تم تعزيز الحضور العسكري الفرنسي في أبوظبي استناداً إلى قرارات ثنائية. وتُدار المنشآت العسكرية الفرنسية الدائمة في أبوظبي بوصفها أدوات استجابة سريعة للتطورات الإقليمية، وفق تقييم استراتيجي فرنسي وبالاستناد إلى شراكات ثنائية مستقرة. وفي هذا السياق، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن المصداقية الاستراتيجية تُبنى عبر الأفعال وتُختبر في الأزمات. وعلى امتداد هذه العمليات، تظل الأولويات الاستراتيجية الفرنسية—المتمثلة في حماية التجارة البحرية، وتأمين طرق الطاقة، ودعم الاستقرار الإقليمي—هي المحدد الأساسي لطبيعة الانتشار والاستخدام، رغم تداخل هذه الأهداف بدرجة كبيرة مع المصالح الأمنية الأوروبية الأوسع، حتى في غياب تفويض أوروبي جماعي.

تتيح حاملة طائرات نووية واحدة، مدعومة بمنظومة مقاتلات متقدمة، لفرنسا امتلاك مدى عملياتي عابر للمسارح الجغرافية من دون الاعتماد على البنية التحتية العسكرية للحلفاء أو القيود السياسية المرتبطة بإذن الاستخدام. ووفق هذا الإطار، يصبح الحفاظ على حضور بحري مستدام ممكناً في المناطق التي تحددها التقديرات الاستراتيجية الفرنسية باعتبارها ذات أولوية، بما في ذلك أمن البحر المتوسط، حماية طرق الملاحة في المحيط الهندي، الدفاع عن الأقاليم الفرنسية في المحيط الهادئ، وتأمين تدفقات الطاقة في منطقة الخليج. وتخدم هذه العمليات، في المقام الأول، حماية المصالح السيادية الفرنسية وأقاليم ما وراء البحار، غير أنها تسهم في الوقت ذاته في تأمين حركة التجارة الأوروبية، واستقرار إمدادات الطاقة، والحفاظ على الحيز الاستراتيجي الأوروبي الأوسع. ومع بقاء سلطة القرار العملياتي بيد باريس، فإن المخرجات الأمنية لهذه القدرة تنعكس إيجاباً على الأمن الأوروبي، وإن كان ذلك خارج إطار صنع القرار الجماعي.

أمضى الاتحاد الأوروبي سنوات طويلة في بناء أطر تعاون دفاعي تهدف إلى تجميع الموارد وتنسيق تطوير القدرات العسكرية، بما في ذلك آليات مثل التعاون الهيكلي الدائم، وصندوق الدفاع الأوروبي، وبرامج الشراء المشترك. وانطلق هذا النهج من افتراض مفاده أن الدول الأوروبية، ولا سيما الأصغر منها وذات الموارد المالية المحدودة، يمكنها تعزيز أمنها من خلال الاستثمار الجماعي المنسق بدلاً من تطوير برامج وطنية متوازية ومتنافسة. وقد أسهمت هذه الأطر في تحقيق مستويات مهمة من التنسيق في برامج محدودة النطاق، إلا أنها لم تفضِ إلى إنتاج منظومات كبرى لإسقاط القوة، وفي مقدمتها حاملات الطائرات. ويعود ذلك إلى مجموعة من القيود البنيوية، تشمل تعقيد التسويات السياسية المطلوبة للشراء الجماعي لمنظومات عالية الكلفة، والضغوط الميزانية المستمرة على الدول الأعضاء، فضلاً عن تباين تصورات التهديد والأولويات الاستراتيجية بينها، وهو ما يجعل تطوير مثل هذه القدرات عبر آليات الاتحاد الأوروبي وحدها أمراً بالغ الصعوبة. وفي هذا السياق، جاء الالتزام ببناء أكبر سفينة حربية في أوروبا، بتكلفة تُقدَّر بنحو 10.25 مليارات يورو، من خلال قرار وطني لدولة واحدة، في حين لم تتمكن أي منظومة أوروبية جماعية من توليد استثمار أو قدرة مماثلة.

ونتيجة لذلك، فإن ما عجزت الأطر الأوروبية الجماعية عن تحقيقه يُنفَّذ اليوم تحت قيادة وطنية فرنسية. فمشروع حاملة الطائرات النووية يكرّس أكثر من خمسة عقود من القدرة على إسقاط القوة تُدار وفق قرارات استراتيجية فرنسية مستقلة. وتواجه الدول الأوروبية الأخرى في هذا السياق خياراً استراتيجياً واضحاً: إما السعي إلى مضاهاة هذه القدرة عبر استثمارات وطنية واسعة النطاق، أو القبول بتزايد الاعتماد على القوة العسكرية الفرنسية التي تؤدي وظائف حماية للمصالح الأوروبية الأوسع، وإن كانت تعمل ضمن إطار تحكم وسيادة فرنسيين.

تُظهر تباينات الأولويات والقدرات بين الدول الأوروبية حدود إمكانية تطوير قدرات إسقاط قوة كبرى على نطاق جماعي. فالدول الواقعة على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق، والتي تواجه تهديداً روسياً مباشراً، تركز استثماراتها الدفاعية على القوات البرية ومنظومات الدفاع الجوي. وفي المقابل، تواجه ألمانيا قيوداً ميزانية هيكلية ومقاومة سياسية داخلية تحول دون تبني استثمارات واسعة النطاق في قدرات إسقاط القوة بعيدة المدى. أما إسبانيا وإيطاليا، فعلى الرغم من امتلاكهما قدرات بحرية معتبرة، فإنها تظل محدودة من حيث الحجم والاستقلالية مقارنة بالنموذج الفرنسي. وتُشغّل المملكة المتحدة حاملات طائرات، إلا أن استخدام هذه القدرات يرتبط بشكل متزايد بالأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة أكثر من اندماجه في إطار أوروبي مستقل. وفي ضوء هذه المعطيات، من غير المرجح أن تقدم دول أوروبية عديدة على بناء حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية خلال العقود المقبلة.

بالتوازي مع ذلك، أصبح مستوى الالتزام الأميركي بالدفاع عن أوروبا أقل يقيناً مما كان عليه في السابق. فمنذ عام 1949، استند التخطيط الدفاعي الأوروبي إلى الضمانة الأميركية ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، غير أن التحولات في المشهد السياسي الأميركي أدخلت عنصراً متزايداً من عدم اليقين بشأن استدامة هذا الالتزام. وتجد الدول الأوروبية نفسها أمام خيارين استراتيجيين أحلاهما مرّ: إما الاضطلاع بزيادات كبيرة ومكلفة في الإنفاق الدفاعي لبناء قدرة مستقلة ذات مصداقية، أو القبول باستمرار الاعتماد على التزام أميركي قد لا يكون مضموناً على المدى الطويل. وفي هذا السياق، يمثل الاستثمار الفرنسي في القدرة المستقلة لإسقاط القوة أحد الأجوبة العملية القليلة التي يجري تنفيذها فعلياً.

وضمن هذا الإطار، يعكس تشخيص الرئيس إيمانويل ماكرون للنظام الدولي فهماً واقعياً لطبيعة البيئة الأمنية الراهنة، حيث بات الأمن مرهوناً بالقدرة المثبتة على إسقاط القوة وفرض كلفة ملموسة على الخصوم. ومع عودة المنافسة بين القوى الكبرى بعد مرحلة قصيرة من الأحادية القطبية التي قلّصت أهمية التنافس الأوروبي، يكتسب الالتزام المادي طويل الأمد—كما يتجسد في برامج التسليح الكبرى—دلالة خاصة بوصفه مؤشراً على الجدية والقدرة على التحمل الاستراتيجي.

وعلى الرغم من أن أوروبا سعت لعقود إلى بناء أطر جماعية لتنسيق القدرات وتطويرها بصورة مشتركة، فإن ما يتبلور حالياً هو بنية أمنية تميل بشكل متزايد نحو القيادة العسكرية الفرنسية، استناداً إلى تفوق القدرات والاستقلالية التشغيلية. فما تعجز الأطر الأوروبية عن إنتاجه بصورة جماعية، يجري تحقيقه عبر قرار وطني لدولة واحدة. وحيثما تنخرط المصالح الأوروبية الحيوية، تُنفَّذ العمليات، ويُوفَّر قدر من الحماية للحيز الاستراتيجي الأوروبي، في حين تبقى سلطة القرار العملياتي في يد باريس. وفي هذا السياق، تطرح فرنسا نموذجاً يقوم على الاستقلالية الاستراتيجية، لا على التنسيق الجماعي، بوصفه حلاً عملياً لمعضلة الأمن الأوروبي. وعلى مدى العقود الخمسة المقبلة، يُرجَّح أن يعتمد الأمن الأوروبي بدرجة ملموسة على القدرة الفرنسية المستقلة لإسقاط القوة، المنفذة وفق شروط وسيادة فرنسية. وتبقى أمام الدول الأوروبية الأخرى ثلاثة مسارات رئيسية: محاولة مضاهاة هذا النموذج باستثمارات وطنية مكلفة، أو القبول بالقيادة العملياتية الفرنسية، أو الإقرار بأن الاستقلالية الاستراتيجية الفرنسية—المتجذرة في تقليد الاستقلال النووي—جعلت من فرنسا القوة العسكرية الأوروبية المهيمنة التي عجزت الآليات الجماعية عن إنتاجها.

كلمات مفتاحية: فرنسا الأمن الأوروبي