مؤسسة غير ربحية

العدالة الجندرية في سوريا: ضرورة دستورية في مرحلة التحول الديمقراطي

آراء حرة - ليلى موسى

في ظل المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سوريا، والتي تُعدّ مرحلة مفصلية وتاريخية، لأنها سترسم ملامح الحاضر والمستقبل السياسي والاجتماعي للبلاد، تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، تضمن الحقوق والحريات والمساواة لجميع المواطنين.

غير أن قضية محورية تفرض نفسها على أي نقاش حول مستقبل البلاد السياسي، وهي العدالة الجندرية. فالحديث عن الديمقراطية والعدالة والتحول السياسي لا يكتمل دون ضمان مساواة النساء ومشاركتهن الفعلية في صنع القرار، لا سيما في دولة أنهكتها الحرب، وتستعد لصياغة عقدها الاجتماعي الجديد.

إلا أن هناك جملة من التحديات والإشكاليات تُعيق عملية التحول الديمقراطي، وفي مقدمتها:

أولًا: إشكاليات قانونية ودستورية تُعيق العدالة الجندرية

عند الاطلاع على الإعلان الدستوري المؤقت، الذي يُفترض أن يُرسي مبادئ المرحلة الانتقالية، نلاحظ تناقضات صارخة بين مواده. فبينما تنص بعض المواد (6، 9، 12، 21) على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وحقوق المرأة، فإن المادة 3، التي تجعل "الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع" وتُحدد ديانة رئيس الجمهورية، تُقوّض هذه المبادئ، وتتعارض مع حيادية الدولة ومع مبدأ المساواة أمام القانون.

إضافة إلى ذلك، فإن هذه المواد غالبًا ما وردت بصياغات عامة وغير مُلزمة، ولا تتضمن نصوصًا واضحة تحظر التمييز على أساس الجنس، أو تنص صراحة على المساواة الجندرية.

وهذا الغموض القانوني يُفرغ الحقوق من مضمونها، ويُبقي النساء في موقع هشاشة قانونية وسياسية دائمة.

ثانيًا: تمثيل شكلي وإقصاء ممنهج

من أبرز الإشكالات في السياق السوري الانتقالي الحالي هو غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتمكين النساء. فلا توجد أي مادة تُلزم الحكومة أو الجهات التشريعية باعتماد نظام كوتا يضمن تمثيلًا عادلًا للنساء في مواقع صنع القرار.

أما التمثيل النسائي القائم، فغالبًا ما يكون رمزيًا يُستخدم لأغراض ترويجية، دون أي أثر فعلي في صناعة القرار أو رسم السياسات العامة.

هذا الواقع يُبرز خللًا بنيويًا في فهم العدالة الجندرية، ويعكس هيمنة ذكورية على مفاصل السلطة، وإصرارًا على التعامل مع النساء كأفراد هامشيين، لا كشريكات في بناء الوطن.

وتجدر الإشارة إلى أنه حتى اللوائح القانونية المتعلقة بالتمثيل لا تُطبَّق بالشكل الصحيح. فعلى سبيل المثال، البند الخامس من المادة 24 من قانون الانتخابات الخاص بمجلس الشعب المؤقت ينص على أن "نسبة تمثيل المرأة يجب ألا يقل عن 20% من عموم الهيئات الناخبة"، في حين أن النسبة المشاركة الفعلية لم تتجاوز 14%.

ومن المهم أيضًا التنويه إلى أن هذه الكوتا تخصّ فقط نسبة الناخبات، ولا علاقة لها بنسبة التمثيل داخل البرلمان، حيث أظهرت النتائج الأولية للانتخابات فوز 6 سيدات فقط.

في ظل هذا الواقع, هناك جملة من التحديات تشكل عقبة أمام تحقيق المساواة الجندرية في سوريا.

يمكن تلخيص أبرز هذه التحديات التي تواجه النساء في سوريا خلال المرحلة الانتقالية كما يلي:

  • قصور دستوري وتشريعي في النصوص القانونية الخاصة بالمساواة.
  • غياب نظام كوتا يضمن مشاركة فعلية للنساء في المؤسسات المنتخبة.
  • هيمنة ذكورية على مراكز القرار والسلطات الانتقالية.
  • ضعف آليات المحاسبة لضمان تنفيذ القوانين المرتبطة بحقوق المرأة.
  • ثقافة اجتماعية تقليدية تُعيق تمكين النساء سياسيًا ومجتمعيًا.
  • تغييب النساء عن لجان صياغة الدستور، ومحدودية دورهن في عمليات التفاوض وصنع السلام.
  • فراغ مؤسسي وغياب هيئات رقابية مستقلة لحماية حقوق النساء وضمان تطبيقها.

لتحقيق عدالة جندرية حقيقية في ظل هذه التحديات، لا بد من تبني رؤية إصلاحية متكاملة، تشمل النقاط التالية:

  1. صياغة دستور جديد بمشاركة نسائية فاعلة، يتضمن نصوصًا صريحة على المساواة الجندرية، ويحظر التمييز على أساس الجنس.
  2. تعديل قانون الانتخابات لضمان كوتا نسائية لا تقل عن 50 %، واعتماد التمييز الإيجابي كمرحلة انتقالية ضرورية.
  3. تعزيز مشاركة النساء في اللجنة الدستورية ومفاوضات الحل السياسي، مع ضمان إدراج قضايا المرأة في أي صياغة دستورية مستقبلية.
  4. إنشاء مفوضية مستقلة للعدالة الجندرية، تُعنى بمراقبة تنفيذ القوانين، ومعالجة الانتهاكات، وتقديم التوصيات لصناع القرار.
  5. تنفيذ برامج توعية وتثقيف مجتمعي لتغيير الثقافة السائدة حول دور المرأة، وتشجيع انخراطها في الحياة العامة.
  6. تمكين المجتمع المدني والمنظمات النسوية، باعتبارها شريكًا رئيسيًا في رسم السياسات ومراقبة تنفيذها، خصوصًا في ما يتعلق بالعدالة الجندرية.

خلاصة القول: تشكل العدالة الجندرية حجر الأساس لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية. فلا يمكن بناء سوريا ديمقراطية، مستقرة ومتقدمة من دون ضمان المساواة الكاملة للنساء.

المرحلة الانتقالية ليست مجرد عملية سياسية، بل هي اختبار أخلاقي وتاريخي لمجتمع يسعى إلى تجاوز عقود من التمييز والاقصاء، وبناء دولة تقوم على قيم العدالة والمساواة والمواطنة.

لذا نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • إما إعادة إنتاج نظام إقصائي استبدادي.
  • أو الانتقال الفعلي إلى دولة المواطنة والمساواة والقانون.

إن العدالة الجندرية لم تعد ترفًا فكريًا أو مطلبًا نخبويًا، بل أصبحت ضرورة حتمية لأي تنمية مستدامة، واستقرار طويل الأمد، وتحول ديمقراطي ناجح.

"العدالة كل لا تتجزأ. إما أن نضمنها للجميع، أو نُعيد إنتاج الظلم بأوجه جديدة."

ـــــــــــــــــــــــــــ

ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية بالقاهرة