مؤسسة غير ربحية

إيران على حافة التحول: احتجاجات الغضب وحدود بقاء النظام

آراء حرة - شبكة الاستشراف

كتب: شبكة الاستشراف الدولية

تشهد إيران واحدة من أعنف موجات الاضطراب الداخلي في تاريخها الحديث، حيث تحوّلت الاحتجاجات التي اندلعت قبل أسابيع من مطالب اقتصادية محدودة إلى تحدٍّ سياسي مباشر لشرعية النظام الحاكم. فخلال عشرين يومًا فقط، دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من العنف والقمع، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام على الصمود في ظل تآكل شرعيته الداخلية وتراجع نفوذه الإقليمي.

اندلعت الشرارة الأولى للاحتجاجات من قلب السوق التقليدي في طهران، حين خرج تجار البازار احتجاجًا على انهيار العملة وارتفاع الأسعار. تاريخيًا، لم يكن تحرك البازار حدثًا عاديًا في السياسة الإيرانية، إذ لطالما مثّل مؤشرًا حساسًا على عمق الأزمات الاقتصادية والسياسية. وسرعان ما خرجت الاحتجاجات من الإطار الاقتصادي، واتسعت رقعتها جغرافيًا، لتتحول إلى حركة سياسية تطالب بإنهاء حكم ديني استمر قرابة خمسة عقود.

الأرقام المتداولة حول أعداد الضحايا تعكس حجم المواجهة بين الشارع والسلطة. فوفق منظمات حقوقية، قُتل آلاف المتظاهرين واعتُقل عشرات الآلاف، في حملة قمع اعتمدت على الذخيرة الحية وقطع الإنترنت والتضييق الأمني الشامل. هذا المستوى من العنف لا يعكس قوة النظام بقدر ما يكشف حجم القلق داخله، إذ تلجأ الأنظمة عادة إلى القمع المفرط عندما تشعر بأن أدوات السيطرة التقليدية لم تعد كافية.

غير أن البعد الاقتصادي وحده لا يفسر هذا الانفجار الشعبي. فقد تراكمت خلال السنوات الأخيرة أزمات متشابكة شملت انهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء، ونقص الطاقة والمياه، ما أدى إلى تآكل القدرة المعيشية لشرائح واسعة من المجتمع. هذه الضغوط اليومية، حين تقترن بانسداد الأفق السياسي، غالبًا ما تتحول إلى وقود لاحتجاجات تتجاوز الإصلاح إلى المطالبة بالتغيير الجذري.

ما يميز هذه الاحتجاجات عن موجات سابقة، مثل الحركة الخضراء عام 2009، هو طبيعة الخطاب السياسي. ففي حين سعى المحتجون آنذاك إلى تصحيح مسار النظام من داخله، باتت الشعارات اليوم أكثر جذرية، وتطالب صراحة بإسقاط النظام نفسه. ويجد كثير من المراقبين أن أقرب مقارنة زمنية لهذه اللحظة هي احتجاجات عام 2022، التي عبّرت عن قطيعة نفسية وسياسية بين جيل جديد من الإيرانيين ومؤسسات الحكم الديني.

في الوقت نفسه، يأتي هذا الحراك الداخلي في لحظة ضعف إقليمي غير مسبوقة لطهران. فبعد عقود من بناء النفوذ عبر وكلاء مسلحين في المنطقة، تلقت إيران ضربات قاسية أفقدتها جزءًا كبيرًا من قدرتها على استعراض القوة. المواجهة العسكرية المباشرة التي خاضتها مؤخرًا، وما تبعها من استهدافات عسكرية ونووية، ألحقت ضررًا بالغًا بصورة الردع التي طالما اعتمد عليها النظام في الداخل والخارج.

الضغط الدولي، ولا سيما الأميركي، أضاف بعدًا جديدًا للأزمة. فالتلويح بالعقوبات والضربات العسكرية، واللجوء إلى مجلس الأمن، كلها عوامل رفعت منسوب التوتر، وإن كانت لم تصل إلى تدخل مباشر حتى الآن. ومع ذلك، يبقى مستقبل الاحتجاجات مرتبطًا إلى حد كبير بموقف القوى الخارجية، خاصة في ظل إدراك النظام أن أي تدخل خارجي قد يغيّر ميزان القوى بشكل جذري.

ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات وحدّة القمع، لا تبدو مؤشرات انهيار النظام وشيكة حتى الآن. فالاقتصاد لم يدخل مرحلة الشلل الكامل، ولا سيما في قطاع النفط، كما أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لا تزال متماسكة ولم تُظهر انشقاقات واسعة. هذه العوامل الثلاثة — شلل الاقتصاد، انقسام المؤسسة العسكرية، واستمرار الزخم الشعبي — تشكل تقليديًا شروط التحول السياسي الجذري، ولا يزال تحققها الكامل محل شك.

مع ذلك، فإن ما تشهده إيران اليوم لا يمكن اعتباره مجرد موجة احتجاج عابرة. فالتراكم الكمي للأزمات الاقتصادية، والانكشاف الإقليمي، وتآكل الشرعية السياسية، كلها مؤشرات على أن النظام يواجه تحديًا بنيويًا طويل الأمد. وحتى إن نجح في احتواء هذه الجولة، فإن جذور الأزمة لا تزال قائمة، ما يجعل عودة الاحتجاجات مسألة وقت لا أكثر.

في المحصلة، تقف إيران عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يستمر النظام في إدارة الأزمات عبر القمع وتأجيل الانفجار، أو أن تفرض التحولات الداخلية والخارجية مسارًا جديدًا لا يمكن التحكم في نتائجه. وبين هذين الخيارين، يبقى الشارع الإيراني عنصرًا فاعلًا لا يمكن تجاهله، حتى وإن بدا صوته اليوم محاصرًا بالسلاح والسجون.

 

كلمات مفتاحية: إيران