على امتداد عقود، لم يكن الجدل في الشرق الأوسط يدور حول قوة التحالف الأميركي - الإسرائيلي، بقدر ما كان يدور حول حجم النفوذ الذي تمتلكه إسرائيل داخل عملية صنع القرار في واشنطن. فقد ترسخت قناعة واسعة، داخل المنطقة وخارجها، بأن العلاقة الخاصة بين البلدين تجاوزت حدود التحالف التقليدي، لتصبح إسرائيل شريكاً قادراً على التأثير في اتجاهات السياسة الأميركية، بل وربما دفعها أحياناً نحو خيارات لم تكن لتتخذها لولا الضغوط الإسرائيلية.
غير أن التطورات التي أعقبت الحرب الأخيرة مع إيران، وما سبقها وتلاها من مواقف أميركية في ملفات تركيا وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين، تشير إلى أن هذه المعادلة بدأت تدخل مرحلة مختلفة. فالولايات المتحدة لم تتراجع عن التزامها الاستراتيجي بأمن إسرائيل، لكنها في المقابل لم تعد مستعدة لأن تتحول أولويات الحكومة الإسرائيلية إلى الإطار الذي تُدار من خلاله سياستها الشرق أوسطية. وبذلك فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق بمتانة التحالف، وإنما بمن يقود هذا التحالف، ومن يمتلك القرار النهائي في رسم خرائط المنطقة بعد انتهاء الحروب.
إن القراءة المتأنية للسياسة الأميركية خلال الأشهر الأخيرة تكشف أن إدارة الرئيس دونالد ترمب شرعت في إعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل من داخل التحالف نفسه، لا من خارجه. فواشنطن ما زالت تقدم لتل أبيب أكبر مظلة عسكرية وسياسية في العالم، وما زالت تعتبر أمنها جزءاً من أمنها القومي، لكنها في الوقت ذاته بدأت تضع حدوداً واضحة للدور الإسرائيلي عندما يتعارض مع المصالح الأميركية الأشمل، سواء تعلقت بأمن القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، أو باستقرار أسواق الطاقة، أو بمستقبل العلاقات مع تركيا ودول الخليج، أو بإعادة بناء الدولة الوطنية في المشرق العربي.
وقد بدت الحرب مع إيران المثال الأوضح على هذا التحول. فمنذ انطلاق العمليات العسكرية، كان واضحاً حجم التنسيق العسكري والاستخباراتي بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن الشراكة في إدارة المعركة لم تعنِ بالضرورة الشراكة في تحديد نهايتها. فبينما نظرت حكومة بنيامين نتنياهو إلى الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، عبر القضاء الكامل على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، كانت الإدارة الأميركية أكثر انشغالاً بحسابات أوسع تتعلق بحماية الملاحة الدولية، ومنع انفجار أسواق الطاقة، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
ولذلك لم يكن غريباً أن تتعامل واشنطن مع المقترحات الإسرائيلية بدرجة أكبر من الحذر، بعدما تبين لها أن بعض التقديرات التي قدمتها تل أبيب بشأن سرعة انهيار القدرات الإيرانية لم تكن دقيقة. كما أن الدعوات الأميركية المتكررة إلى وقف إطلاق النار، ومحاولات الوسطاء الإقليميين الدفع نحو هدنة تسمح باستئناف المسار الدبلوماسي، عكست إصرار البيت الأبيض على الاحتفاظ بحق اتخاذ القرار النهائي بشأن استمرار الحرب أو إنهائها، وهو حق لم يعد مستعداً لتفويضه لأي حليف، مهما بلغت درجة خصوصية العلاقة معه.
ولا يقل الملف التركي دلالة عن الملف الإيراني في كشف حدود النفوذ الإسرائيلي داخل القرار الأميركي. فإسرائيل تنظر إلى تركيا باعتبارها منافساً استراتيجياً يمتلك قوة عسكرية متنامية، ونفوذاً واسعاً في سوريا، وعلاقات مع قوى فلسطينية لا تنظر إليها تل أبيب بعين الارتياح. ومن هذا المنطلق حاولت ممارسة ضغوط مكثفة لمنع تطوير القدرات العسكرية التركية، ولا سيما في مجال الطيران المقاتل.
إلا أن الحسابات الأميركية جاءت مختلفة تماماً. فتركيا بالنسبة إلى واشنطن ليست مجرد دولة تختلف مع إسرائيل، وإنما ركيزة أساسية داخل حلف شمال الأطلسي، وصاحبة ثاني أكبر جيش فيه، وشريك لا يمكن الاستغناء عنه في البحر الأسود وشرق المتوسط وسوريا وآسيا الوسطى. ولهذا فضلت الإدارة الأميركية الفصل بين الخلافات التركية - الإسرائيلية وبين مصالحها الاستراتيجية مع أنقرة، مؤكدة بذلك أن أمن إسرائيل، مهما بلغت أهميته، لا يمنحها حق الاعتراض على خيارات واشنطن تجاه حلفائها الآخرين.
ويظهر التحول نفسه بصورة أكثر وضوحاً في المقاربة الأميركية تجاه لبنان وسوريا والعراق. ففي حين تواصل إسرائيل النظر إلى هذه الدول من زاوية أمنية بحتة، باعتبارها ساحات ينبغي الحفاظ فيها على حرية العمل العسكري المباشر، تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى الاستثمار في بناء مؤسسات الدولة الوطنية باعتبارها الوسيلة الأكثر استدامة لتقليص النفوذ الإيراني وإنهاء دور الميليشيات المسلحة.
ومن هنا جاء الرهان الأميركي على دعم الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة في تنفيذ ترتيبات ما بعد الحرب، والضغط باتجاه إعادة انتشار القوات الإسرائيلية، ومنح الحكومة اللبنانية فرصة لاستعادة احتكار السلاح. والمنطق ذاته يفسر الانفتاح الأميركي على الحكومة السورية الجديدة، والسعي إلى دمج القوى المحلية داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من إبقاء سوريا ساحة مفتوحة للصراع الدائم. كما يفسر في العراق حرص واشنطن على تعزيز سلطة الحكومة المركزية في مواجهة الفصائل المسلحة، بدلاً من الاكتفاء بالضربات العسكرية التي قد تعيد إنتاج دورة جديدة من التصعيد.
ولا يمكن فصل هذه السياسة عن المشروع الأميركي الأشمل لإعادة بناء توازنات الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تدرك أن أي نظام إقليمي مستقر لن يقوم على التحالف مع إسرائيل وحدها، بل يحتاج إلى شبكة متوازنة من العلاقات تشمل السعودية وتركيا ومصر ودول الخليج والعراق وسوريا ولبنان. ومن هنا أصبحت القضية الفلسطينية جزءاً من الحسابات الاستراتيجية، لا باعتبارها ملفاً إنسانياً مؤجلاً، وإنما بوصفها العقدة التي ستحدد مدى قدرة واشنطن على توسيع دائرة الاندماج الإقليمي.
فالرياض، التي تمثل الجائزة الكبرى لأي مشروع أميركي جديد في المنطقة، لم تُبد استعداداً للمضي في تطبيع كامل مع إسرائيل من دون وجود مسار سياسي موثوق يقود إلى قيام دولة فلسطينية. كما أن القاهرة وأنقرة ودولاً عربية أخرى باتت ترى أن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية إقليمية ستظل منقوصة ما لم تُعالج جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وهنا يظهر أحد أبرز أوجه التباين مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي ما زالت تراهن على توسيع التطبيع العربي بمعزل عن تقديم أي تنازل سياسي للفلسطينيين.
كل ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة بصدد التخلي عن إسرائيل أو إعادة صياغة تحالفها معها. فالوقائع تؤكد العكس؛ إذ لا تزال واشنطن توفر لتل أبيب مستويات غير مسبوقة من الدعم العسكري والاستخباراتي والسياسي، كما لا تزال تعتبر التفوق العسكري الإسرائيلي ركناً ثابتاً في استراتيجيتها الشرق أوسطية. إلا أن الإدارة الأميركية باتت أكثر وضوحاً في الفصل بين حماية إسرائيل وبين منح حكومتها حق رسم السياسة الأميركية في المنطقة.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الراهنة. فما يجري ليس صراعاً على التحالف، بل على قيادته. وإسرائيل، رغم استمرارها الحليف الأقرب للولايات المتحدة، لم تعد اللاعب الوحيد الذي يحدد أولويات الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن. فالإدارة الأميركية تنظر اليوم إلى المنطقة بوصفها شبكة متداخلة من المصالح تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وتتقاطع فيها اعتبارات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، ومنافسة القوى الكبرى، ومستقبل الدولة الوطنية، وهي اعتبارات تتجاوز بكثير الحسابات الأمنية الإسرائيلية الضيقة.
لهذا، فإن الرسالة الأهم التي خرجت بها مرحلة ما بعد الحرب مع إيران لا تتمثل في تراجع التحالف الأميركي - الإسرائيلي، بل في عودة الولايات المتحدة إلى ممارسة دورها التقليدي باعتبارها القوة التي تحدد اتجاه البوصلة الاستراتيجية للإقليم. فقد بقيت إسرائيل الحليف الأول، لكنها لم تعد صاحبة الكلمة الأخيرة في تقرير شكل الخرائط الجديدة أو توقيت الحروب ونهاياتها. لقد استعادت واشنطن حقها في إدارة الشرق الأوسط وفق مصالحها الشاملة، لا وفق الاحتياجات السياسية لأي حكومة إسرائيلية، مهما بلغت درجة التقارب معها.
