بث تجريبي

كيف بنت إيران شبكتها القوية من الميليشيات في العراق... ولماذا يكتسب ذلك أهمية اليوم؟

تقارير وملفات - روبرت إدوارد
روبرت إدوارد
كاتب وباحث

كشفت الضربات الأميركية - السعودية المشتركة التي استهدفت، يوم الأربعاء، جماعات مدعومة من إيران في العراق، عن عمق الشبكة العسكرية التي بنتها طهران داخل البلاد، حيث تطورت الميليشيات من حركات تمرد إلى بعضٍ من أقوى الفاعلين السياسيين والأمنيين في الدولة العراقية.

وجاءت العملية بعد أكثر من 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة خلال ثلاثة أيام استهدفت البنية التحتية النفطية السعودية ومواقع عسكرية أميركية في المنطقة، ما أعاد إشعال الجدل حول قدرة بغداد على منع استخدام أراضيها منصةً لانطلاق صراع إقليمي أوسع.

وأعلنت قوات الحشد الشعبي، وهي التحالف الذي يضم الفصائل شبه العسكرية الموالية لإيران، أن الضربات الأميركية - السعودية استهدفت مقراتها ومنشآتها في بغداد ومحافظات نينوى والبصرة وواسط وكربلاء وكركوك وصلاح الدين وديالى.

وقالت قوات الحشد إن الضربات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 من عناصرها وإصابة 32 آخرين.

وأضافت في بيان: «أسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد عدد من المنتسبين وإصابة آخرين، فضلاً عن أضرار مادية لحقت بعدد من المباني والممتلكات».

وأبرز حجم الضربات مدى تغلغل الفصائل المدعومة من إيران في المشهد الأمني العراقي.

وتعمل معظم الفصائل المتشددة حالياً تحت مظلة المقاومة الإسلامية في العراق، وهي تحالف فضفاض يضم نحو عشرة فصائل، يقدّر مسؤولون أمنيون أن قوامها يبلغ نحو 50 ألف مقاتل، إلى جانب مخزونات كبيرة من الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والأسلحة المضادة للطائرات.

ومنذ اندلاع حرب غزة عام 2023، أعلنت هذه الجماعات مسؤوليتها عن عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد إسرائيل والقوات الأميركية في المنطقة، مما جعل العراق جبهة متقدمة بشكل متزايد في المواجهة الإقليمية بين إيران وخصومها.

من التمرد إلى النفوذ داخل الدولة

نشأت الجماعات المسلحة التي استهدفتها عملية الأربعاء عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين بدأت طهران في توسيع نفوذها تدريجياً داخل المؤسسات السياسية والأمنية العراقية التي كانت تعاني الانقسام.

وبفضل التمويل الإيراني السخي، والتدريب، وتزويدها بالأسلحة، تحولت العديد من هذه الجماعات من تنظيمات متمردة إلى قوات عسكرية قوية قادرة على منافسة القوات المسلحة العراقية النظامية.

وخلال العقدين الماضيين، بنت هذه الفصائل أيضاً إمبراطوريات اقتصادية واسعة، وحصلت على مقاعد في البرلمان، وتغلغلت بعمق داخل الوزارات ومؤسسات الدولة، بما أدى إلى تلاشي الحدود الفاصلة بين الأجهزة الأمنية الرسمية والجماعات المسلحة الموالية لإيران.

كتائب حزب الله

تُعد كتائب حزب الله أقوى هذه الفصائل، ويُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها أقرب الشركاء العسكريين لطهران في العراق، والقوة المهيمنة داخل تحالف المقاومة الإسلامية.

تأسست الجماعة في منتصف العقد الأول من الألفية على يد أبو مهدي المهندس، الذي قُتل إلى جانب قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، في غارة أميركية قرب مطار بغداد عام 2020.

واكتسبت الكتائب سمعة واسعة بسبب هجماتها بالصواريخ وقذائف الهاون، وعمليات القنص، والعبوات الناسفة ضد القوات الأميركية.

وتقدّر الاستخبارات الأميركية أن الكتائب تضم ما يصل إلى 10 آلاف مقاتل، وتمتلك واحدة من أكبر ترسانات الميليشيات في المنطقة، بما يشمل الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والصواريخ الباليستية قصيرة المدى.

كما قاتلت إلى جانب القوات المدعومة من إيران خلال الحرب الأهلية السورية، وتجاهلت مراراً دعوات الحكومة العراقية إلى وقف هجماتها على القوات الأميركية.

عصائب أهل الحق

ومن أبرز الفصائل أيضاً عصائب أهل الحق، التي تأسست عام 2006 بعد انشقاقها عن جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر، ويتزعمها قيس الخزعلي.

وكان الخزعلي قد اعتقلته القوات الأميركية عام 2007 بتهمة الضلوع في هجوم أسفر عن مقتل خمسة جنود أميركيين، قبل أن يُفرج عنه بعد ثلاث سنوات.

وأصبحت الجماعة لاحقاً واحدة من أبرز الميليشيات التي قاتلت تنظيم «داعش»، كما سعت بصورة متزايدة إلى توسيع نفوذها السياسي عبر كتلتها البرلمانية «صادقون».

ورغم محاولة الخزعلي خلال السنوات الأخيرة تقديم نفسه بصورة سياسية أكثر اعتدالاً، فإنه لا يزال يعارض الوجود العسكري الأميركي في العراق، ويُعد أحد أكثر حلفاء طهران نفوذاً داخل البلاد.

منظمة بدر

أما منظمة بدر، فهي أقدم وأكثر الفصائل المدعومة من إيران اندماجاً في مؤسسات الدولة العراقية.

وقد تأسست في إيران عام 1982 خلال الحرب العراقية - الإيرانية، بوصفها الجناح العسكري لـالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء راسخ من النظام السياسي والمؤسسة الأمنية العراقية، مع احتفاظها بعلاقات وثيقة مع طهران.

فصائل أخرى

وتضم شبكة إيران في العراق أيضاً حركة حزب الله النجباء، التي أسسها أكرم الكعبي عام 2013 بعد انشقاقه عن عصائب أهل الحق، وكتائب سيد الشهداء التي تأسست في العام نفسه وشاركت في القتال داخل سوريا.

كما تضم كتائب الإمام علي، التي تأسست في يونيو (حزيران) 2014 بوصفها الجناح العسكري لـحركة العراق الإسلامية، إضافة إلى سرايا الخراساني، التي يعود تشكيلها الحالي إلى عام 2013.

وتوضح هذه التنظيمات مجتمعة كيف أصبح المشهد الأمني العراقي متشابكاً مع الاستراتيجية الإقليمية الأوسع لإيران، من خلال الجمع بين الاعتراف الرسمي من الدولة، وسلاسل قيادة مستقلة، وولاء أيديولوجي لطهران، وقدرات عسكرية تتجاوز الحدود العراقية.

دعوات لاستعادة سيادة الدولة

ودفعت موجة التصعيد الأخيرة عدداً من القيادات العراقية البارزة إلى تجديد الدعوات لاستعادة الدولة سيطرتها على الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطتها.

وحذر رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي من أن العراق لم يعد يحتمل أن يتحول إلى ساحة لتصفية الصراعات التي تديرها قوى خارجية.

وكتب على منصة إكس: «لم يعد ممكناً التسامح مع تصرفات الجهات المسلحة غير التابعة للدولة، والتي لا يمكن وصفها إلا بأنها اعتداء متعمد على مصالح العراق والشعب العراقي.»

وأضاف: «إن معالجة قضية السلاح خارج إطار الدولة، والتصدي للجهات المسلحة غير الحكومية، أصبحت ضرورة سيادية لم يعد بالإمكان تأجيلها.»

وتابع: «يجب ألا يُجبر العراق على دفع ثمن صراعات الآخرين، وألا تبقى مصالح شعبه رهينة لأجندات خارجية أو اندفاعات قد تبدو أيديولوجية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تحركها المصالح والنفوذ.»

من جانبه، دعا مقتدى الصدر، الذي جرى حل جيش المهدي التابع له عام 2008 قبل إعادة إحيائه جزئياً عام 2014 تحت اسم سرايا السلام، إلى ضبط النفس، محذراً من أن العراق يجب ألا يتحول إلى ساحة مواجهة جديدة بين إيران وخصومها.

كما دعا ما وصفها بـ«الميليشيات المنفلتة» إلى عدم منح مبررات لمزيد من الهجمات على العراق، قائلاً: «إن العراق وشعبه بحاجة إلى السلام... لقد اكتفينا من الحروب.»