من جبهات اليمن إلى أجواء البحر الأحمر: الحوثيون يوسّعون نطاق التهديد
لا يبدو التطور العسكري الذي حذّرت منه السلطات اليمنية أخيراً مجرد إضافة جديدة إلى قائمة الأسلحة المستخدمة في الحرب اليمنية، بل يحمل أبعاداً تتجاوز حدود المواجهة البرية إلى واحد من أكثر المجالات حساسية في المنطقة: سلامة الطيران المدني وحركة الملاحة الجوية الدولية في أجواء البحر الأحمر.
فالتحذير الذي أطلقته القوات المسلحة اليمنية بشأن استخدام جماعة الحوثيين أسلحة دفاع جوي إيرانية جرى تحويلها، وفق الرواية العسكرية اليمنية، إلى صواريخ جوالة، يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من المخاطر. فالمشكلة، بحسب المعلومات التي أوردها الجيش اليمني، لا تكمن فقط في طبيعة السلاح، وإنما في طريقة استخدامه وموقع إطلاقه واتجاهه نحو مسارات جوية دولية.
وهنا تتغير طبيعة المعادلة؛ إذ يصبح المجال الجوي نفسه جزءاً من ساحة الصراع، بما يضع الطائرات المدنية والمسافرين أمام مخاطر لا ترتبط بالعمليات العسكرية التقليدية وحدها.
سلاح دفاع جوي في مواجهة الطيران المدني
تكمن أهمية التحذير اليمني في أن الأسلحة التي يجري الحديث عنها صُممت في الأصل لأغراض دفاعية، قبل أن تقول القوات الحكومية إن الحوثيين أعادوا توظيفها بتقنيات وتكتيكات مختلفة.
وبحسب المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، فإن الصاروخ يستطيع البقاء في حالة تجوال لفترة تصل إلى 25 دقيقة، ويستخدم نظاماً للتتبع الحراري لمهاجمة مصادر الحرارة. والأكثر أهمية، وفق الرواية العسكرية نفسها، أن هذه الأسلحة لا تمتلك قدرة موثوقة على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
إذا صحت هذه المعطيات، فإن الخطر لا يرتبط بوجود سلاح جديد فحسب، وإنما بطبيعة البيئة التي يُستخدم فيها. فالمجال الجوي فوق جنوب البحر الأحمر لا يمثل مسرحاً مغلقاً للعمليات العسكرية، وإنما تمر عبره حركة طيران مدني ودولي، فضلاً عن الرحلات المرتبطة بالمنظمات الدولية والإنسانية.
ومن ثم، فإن إطلاق سلاح قادر على البحث عن مصدر حراري في اتجاه منطقة تشهد حركة طيران مدني يخلق احتمالاً مختلفاً تماماً عن استهداف طائرة عسكرية أو موقع بري محدد.
الخطر الحقيقي في «المسار» وليس في السلاح وحده
تكتسب تصريحات الجيش اليمني أهميتها من تأكيده أن الصواريخ تُطلق من مناطق خاضعة للحوثيين في محافظة الحديدة باتجاه المسارات الجوية الدولية جنوب البحر الأحمر.
وهذا التفصيل هو الأكثر حساسية في التطور الجديد؛ لأن المخاطر الجوية لا تقاس فقط بمدى السلاح أو قدرته التقنية، وإنما أيضاً بمكان إطلاقه، واتجاهه، وكثافة الحركة الجوية في المنطقة التي يمكن أن يصل إليها.
ومن هذه الزاوية، فإن أي توسع في استخدام الأسلحة المضادة للطائرات أو الصواريخ في بيئة تختلط فيها الأهداف العسكرية بحركة الطيران المدني يمكن أن يرفع مستوى المخاطر بالنسبة لشركات الطيران، حتى في حال عدم وقوع حادث مباشر.
وقد يكون الأثر الأوسع لمثل هذه التطورات هو دفع شركات الطيران وسلطات الطيران المدني إلى إعادة تقييم المسارات الجوية التي تمر فوق البحر الأحمر ومحيطه، وهو ما يمكن أن يترتب عليه تعديل مسارات الرحلات أو زيادة تكاليف التشغيل أو توسيع مناطق التحليق بعيداً عن مناطق الخطر.
وبذلك، تتحول الحرب اليمنية من أزمة أمنية ذات آثار إقليمية إلى عامل إضافي في إعادة تشكيل حركة الطيران في منطقة ترتبط أصلاً بالتوترات الأمنية والمخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية.
ذاكرة إسقاط الطائرة الأوكرانية
لم يكن استدعاء حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية «PS752» في طهران عام 2020 من جانب وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني تفصيلاً عابراً.
فالحادثة، التي قُتل فيها 176 شخصاً، أصبحت مثالاً شديد الوضوح على خطورة تشغيل أو استخدام أنظمة دفاع جوي في بيئة تتقاطع فيها العمليات العسكرية مع حركة الطيران المدني.
غير أن المقارنة بين الحالتين ينبغي أن تظل في حدودها؛ فظروف حادثة الطائرة الأوكرانية تختلف عن الوضع في اليمن من حيث طبيعة العمليات العسكرية والبيئة الجغرافية والقواعد المستخدمة وحركة الطيران. لكن الدرس الأوسع الذي تستحضره الحادثة هو أن الفصل بين المجال العسكري والمجال المدني يصبح أكثر صعوبة وخطورة عندما تعمل أنظمة التسليح بالقرب من ممرات الطيران المدني.
ومن هنا تبدو دعوة السلطات اليمنية منظمة الطيران المدني الدولي والاتحاد الدولي للنقل الجوي وسلطات سلامة الطيران إلى التعامل مع التطور الجديد محاولة لنقل القضية من مستوى الصراع اليمني الداخلي إلى مستوى السلامة الجوية الدولية.
تصعيد في الأرض بالتوازي مع تصعيد في السماء
لا يمكن فصل التحذير المتعلق بالأسلحة الجوية عن التطورات الميدانية المتسارعة في تعز ولحج والمناطق المحيطة بباب المندب.
فخلال الأيام الأخيرة، كثفت القوات الحكومية اليمنية ضرباتها الجوية والمدفعية ضد مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات تسلل واشتباكات على عدد من الجبهات.
وتشير طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف إلى محاولة استهداف شبكة الحركة العسكرية الحوثية وليس فقط الوحدات الموجودة في الخطوط الأمامية. فقد امتدت الضربات، وفق المصادر الحكومية والمحلية، إلى طرق الإمداد، ومخازن الأسلحة، والتجمعات، والمعسكرات، والآليات، ومناطق تجمع التعزيزات.
ويعكس ذلك تحولاً مهماً في نمط العمليات: فبدلاً من انتظار وصول القوات الحوثية إلى خطوط الاشتباك، تسعى القوات الحكومية إلى ضربها أثناء تحركها أو قبل وصولها إلى الجبهات.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية خاصة في تعز والمناطق المتاخمة لباب المندب، حيث يمثل التحكم في طرق الإمداد والمرتفعات والممرات الجغرافية عاملاً مهماً في قدرة الأطراف على الحفاظ على مواقعها أو الضغط على خصومها.
تعز ولحج... جبهات تتصل بالبحر الأحمر
تكتسب جبهات تعز ولحج أهمية تتجاوز حدود المحافظتين، بسبب ارتباطها الجغرافي بممرات استراتيجية تقود باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.
ولهذا فإن استمرار العمليات العسكرية في هذه المناطق لا يعكس فقط رغبة كل طرف في تحسين مواقعه المحلية، وإنما يرتبط أيضاً بمحاولة التأثير في خطوط الحركة التي تربط الداخل بالساحل.
وتكشف طبيعة الضربات الأخيرة عن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مفرق ماوية والذكرة والحوبان وشارع الستين وحيفان والوازعية، إلى جانب مناطق أخرى قريبة من خطوط التماس.
وبالتالي، فإن الصورة الميدانية تبدو أقرب إلى صراع على شبكة الحركة والإمداد منه إلى مجرد معارك للسيطرة على موقع جغرافي منفرد.
فالسيطرة على المرتفعات تظل مهمة، لكن القدرة على إيصال المقاتلين والذخائر والصواريخ والمعدات إلى تلك المرتفعات لا تقل أهمية عنها.
ارتفاع الخسائر... وضغط متزايد على الحوثيين
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه مصادر يمنية عن ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف الحوثيين.
وأعلنت الجماعة مقتل مجد الدين حميد الحمزي، الذي وصفته مصادر عسكرية بأنه رئيس عمليات اللواء الثالث صواريخ، إلى جانب عدد من مرافقيه، فيما تحدثت بيانات رصد محلية عن تشييع مئات من عناصر الجماعة خلال سبتمبر الحالي.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى التعامل معها بحذر؛ إذ لا توجد آلية مستقلة وشفافة تسمح بالتحقق من إجمالي الخسائر البشرية في مختلف الجبهات، كما أن بيانات التشييع لا تعكس بالضرورة العدد الحقيقي للقتلى خلال الفترة نفسها.
ومع ذلك، فإن استمرار الإعلان عن قتلى من مستويات قيادية وميدانية، بالتوازي مع تكثيف الضربات على مواقع الإمداد، يشير إلى أن العمليات الأخيرة تستهدف إضعاف قدرة الحوثيين على الحفاظ على كثافة عملياتهم العسكرية وليس فقط إلحاق خسائر تكتيكية بالقوات الموجودة في الخطوط الأمامية.
من الحرب البرية إلى «تدويل» المخاطر الجوية
المفارقة الأبرز في التطورات الأخيرة هي أن الحرب اليمنية، التي بدأت أساساً كصراع على السلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة، أصبحت تنتج بصورة متزايدة تداعيات عابرة للحدود.
فالهجمات على الملاحة البحرية رفعت مستوى الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر، والآن يأتي التحذير المتعلق بالطيران المدني ليضيف بعداً جديداً إلى الأزمة.
وفي حال استمرار استخدام أسلحة قادرة على التحليق أو البحث عن أهداف حرارية بالقرب من مسارات الطيران الدولية، فإن القضية لن تبقى محصورة في قدرة القوات اليمنية أو الحوثيين على إدارة المعركة داخل الأراضي اليمنية، وإنما ستتعلق أيضاً بمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية ممر جوي مدني يقع بالقرب من منطقة نزاع نشطة.
وهنا يمكن أن تتزايد الضغوط على شركات الطيران لإعادة تقييم المخاطر، وعلى الهيئات الدولية لإصدار إرشادات أكثر تحديداً بشأن التحليق في أجواء المنطقة.
اختبار جديد لأمن البحر الأحمر
تكشف التطورات الأخيرة عن اتساع تدريجي لنطاق المخاطر المرتبطة بالحرب اليمنية. فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على المدن والمرتفعات والطرق، بل باتت تمتد إلى البنية الحيوية لحركة النقل الإقليمي والدولي.
ويشكل أمن المجال الجوي، إلى جانب أمن الملاحة البحرية، عنصراً أساسياً في استقرار البحر الأحمر. وكلما اتسعت دائرة استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للطائرات في محيط الممرات الدولية، زادت صعوبة الفصل بين المخاطر العسكرية والمخاطر التي تهدد المدنيين وحركة النقل الدولي.
ومن هذه الزاوية، فإن التحذير اليمني الأخير يمثل أكثر من إعلان عسكري عن سلاح جديد. إنه إشارة إلى أن المجال الجوي في جنوب البحر الأحمر قد يتحول إلى ساحة إضافية للصراع، بما يفرض على مؤسسات الطيران الدولية التعامل مع التطورات الأمنية في اليمن باعتبارها جزءاً من منظومة مخاطر إقليمية مترابطة.
لكن اختبار التطور الجديد لن يتوقف عند البيانات والتحذيرات. فالمعيار الأهم سيكون في كيفية تطور استخدام هذه الأسلحة، وما إذا كانت ستظل مرتبطة بجبهات القتال، أم ستصل آثارها إلى المجال الذي تتحرك فيه الطائرات المدنية الدولية.
وفي الحالة الثانية، لن تكون تداعيات الأمر يمنية فقط، بل ستصبح قضية تتعلق مباشرة بأمن الطيران الدولي في أحد أكثر الممرات الجغرافية حساسية في العالم.
