مؤسسة غير ربحية

ما وراء النماذج العملاقة الصين تعيد تعريف الذكاء الاصطناعي

تقارير وملفات - شبكة الاستشراف

في الوقت الذي تركز فيه معظم النقاشات العالمية على الذكاء الاصطناعي بمخاوف الخصوصية، وهيمنة الشركات الكبرى، وسباق النماذج العملاقة، تمضي الصين في مسار مختلف أقل ضجيجاً وأكثر عمقاً. فبدلاً من التركيز على الذكاء الاصطناعي بوصفه منتجاً نخبوياً أو أداة تنافس بين شركات التكنولوجيا، تتعامل بكين معه كمكوّن بنيوي من مكونات المجتمع، أشبه بالكهرباء أو الإنترنت، لا كخدمة حصرية محصورة في مراكز البيانات العملاقة.

لا يعبّر هذا التحول فقط عن اختلاف تقني، بل عن رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة تسعى إلى إعادة تعريف دور الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وفي موقع التكنولوجيا داخل الاقتصاد الوطني.

من "نماذج مغلقة" إلى "ذكاء متغلغل"

في الولايات المتحدة، تهيمن مقاربة قائمة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة، مملوكة لشركات خاصة، تعمل داخل منصات سحابية مغلقة، ويجري تسويقها بوصفها منتجات عالية القيمة. ورغم التقدم التقني الذي تتميز به هذه المقاربة إلا أنها تُبقي الذكاء الاصطناعي محصوراً في نطاق الشركات الكبرى والمؤسسات القادرة على تحمّل كلفته.

في المقابل، تنطلق المقاربة الصينية من فرضية مختلفة؛ القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في تعقيد النموذج، بل في مدى انتشاره وقدرته على الاندماج في البنية الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك فقد أعلنت الحكومة الصينية خطتها لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى مرفق عام، متاح على نطاق واسع، ومنخفض التكلفة، وقابل للاستخدام في مختلف القطاعات، حيث يتمثل الهدف المعلن من وراء ذلك في بناء أول "مجتمع ذكاء اصطناعي" في العالم بحلول عام 2035، إذ لا يكون الذكاء الاصطناعي أداة إضافية، بل طبقة تشغيل غير مرئية تدعم الإنتاج، والخدمات، والإدارة العامة، وأنظمة الرعاية.

الدولة كمنظّم… والشركات كمشغّلين

يعتمد النموذج الصيني على توزيع واضح للأدوار، فالدولة المركزية تتولى وضع الإطار العام: السياسات، والمعايير الوطنية للبيانات، والبنية التحتية الأساسية، وفي المقابل تُترك مهمة التطوير والتنفيذ والمنافسة للشركات الخاصة ضمن هذا الإطار المنظم.

وقد صنّفت الحكومة الصينية شركات محلية كبرى مثل "بايدو" Baidu وتانسينت Tencent وغيرها، كمزوّدين محوريين لمنصات الذكاء الاصطناعي. غير أن التميز لا يكمن في كل منصة على حدة، بل في القدرة على ربط هذه المنصات ببعضها البعض ضمن منظومة واحدة متكاملة.

ولذلك يصف بعض المحللين هذا التوجه بأنه محاولة لبناء "جهاز عصبي وطني"، حيث تتدفق البيانات والخدمات والخوارزميات بين القطاعات المختلفة بسلاسة، بما يسمح باتخاذ قرارات أسرع، وتقديم خدمات أكثر دقة، وتحسين كفاءة الإدارة العامة.

الذكاء الاصطناعي الجاهز للتشغيل

من أبرز ملامح التجربة الصينية اعتماد ما يمكن تسميته "الذكاء الاصطناعي الجاهز للتشغيل"، فبدلاً من بيع برمجيات منفصلة، تقدم الشركات الصينية حلولاً متكاملة تشمل البرمجيات، والعتاد، والبيانات، والبنية التشغيلية، والدعم المستمر.

وتناسب هذا النموذج مع الحكومات والبلديات والقطاعات الصناعية التي لا تمتلك القدرة أو الرغبة في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي من الصفر. وهنا تتحول التكنولوجيا من مشروع طويل الأمد عالي المخاطر، إلى خدمة جاهزة يمكن تشغيلها وتوسيعها بسرعة.

ومن بين الأمثلة البارزة على لك يمكن الإشارة إلى منصة "أبولو" التابعة لشركة بايدو، التي لا تقتصر على برمجيات القيادة الذاتية، بل تشمل نظام تنقل متكاملاً يضم الحافلات والسيارات ذاتية القيادة، والبنية التحتية الذكية للطرق، والخرائط المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، إضافة إلى التنسيق السحابي. وبهذا تحصل البلديات على “حزمة تنقل” كاملة، لا مجرد تقنية معزولة.

عامل الكلفة… والقدرة الصناعية

تلعب الكلفة دوراً محورياً في هذا التحول. فالصين، بوصفها مركز التصنيع العالمي، تنتج معظم العتاد اللازم لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، من أجهزة الاستشعار إلى الخوادم، باستثناء الشرائح المتقدمة جداً التي لا تزال تُطوَّر في الولايات المتحدة، حيث يسمح هذا التفوق الصناعي للصين بنشر حلول ذكاء اصطناعي منخفضة التكلفة، ما يمنحها ميزة تنافسية خاصة في الدول النامية، التي تبحث عن حلول عملية لتحسين الخدمات دون استثمارات ضخمة في البنية التقنية.

تداعيات عالمية تتجاوز الصين

لا تقتصر آثار هذا النموذج على الداخل الصيني، فمع توسّع تصدير الحلول الجاهزة، قد يصبح النموذج الصيني مرجعاً عالمياً لكيفية دمج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، والنقل، والأمن الحضري، والخدمات الاجتماعية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمثل هذا النموذج بديلاً عن النموذج الغربي القائم على السوق المفتوحة والابتكار اللامركزي؟ أم أنه سيقود إلى عالم تتعايش فيه نماذج مختلفة للذكاء الاصطناعي، تعكس اختلاف الرؤى السياسية والثقافية؟

بين الكفاءة والرقابة

رغم مزاياه، يثير النموذج الصيني تساؤلات مشروعة حول الخصوصية، والحوكمة، وحدود الرقابة. فدمج الذكاء الاصطناعي بعمق في بنية المجتمع يمنح الدولة قدرة غير مسبوقة على جمع البيانات وتحليلها. وبينما ترى بكين في ذلك وسيلة لتحسين الكفاءة والاستقرار، يرى منتقدون أنه قد يؤدي إلى تعزيز أنماط جديدة من الضبط الاجتماعي.

غير أن هذه الإشكالية ليست حكراً على الصين، بل تمثل تحدياً عالمياً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يتعين على المجتمعات الموازنة بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الحقوق الفردية.

أخيرا، فإن ما يجري في الصين ليس مجرد سباق تقني، بل إعادة تعريف لدور الذكاء الاصطناعي في المجتمع، فبدلاً من التعامل معه كأداة نخبوية أو سلعة رقمية، يجري تحويله إلى بنية تحتية عامة، تعمل في الخلفية، وتشكل طريقة جديدة لتنظيم الاقتصاد والإدارة والحياة اليومية.

وبينما ينشغل العالم بمقارنة النماذج والخوارزميات، قد يكون التحول الأهم هو هذا الانتقال الهادئ من "الذكاء الاصطناعي كمنتج" إلى "الذكاء الاصطناعي كنظام اجتماعي"، وهو التحول الذي ستكون له، انعكاسات عميقة على مستقبل التكنولوجيا والمجتمعات في العقود المقبلة.