مؤسسة غير ربحية

رئاسة مصرية لليونسكو... دلالات التحول في الدبلوماسية الثقافية الدولية وإعادة التوازن في النظام الأممي للمعرفة

ثقافة - شبكة الاستشراف

يشكّل انتخاب الدكتور خالد العناني مديراً عاماً لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) لحظة مفصلية في مسار حضور الدول العربية والإفريقية داخل المنظمات الأممية. فاختيار المجلس التنفيذي للمنظمة، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الأكاديمي المصري والوزير السابق للآثار والسياحة، لا يعكس فقط نجاحاً دبلوماسياً مصرياً مدروساً، بل يجسد أيضاً تحوّلاً في خريطة القوة الثقافية العالمية، واتجاهاً نحو إعادة التوازن في مؤسسات «الحوكمة الثقافية» الدولية، بعد عقود من سيطرة الرؤية الأوروبية والأطلسية على صنع القرار الثقافي في العالم.

وسيُصادق المؤتمر العام لليونسكو رسمياً على تعيينه في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل خلال اجتماعه في سمرقند بأوزبكستان، وهو إجراء شكلي عادة، إذ لم يسبق أن خالف المؤتمر قرار المجلس التنفيذي.

وفي كلمته أمام المجلس التنفيذي، تعهّد العناني العمل "يداً بيد مع جميع الدول الأعضاء لوضع خريطة طريق مشتركة لتحديث اليونسكو ودفعها نحو المستقبل".

أولاً: التحول الرمزي والسياسي في قيادة المنظمة

يمثل فوز العناني حدثاً استثنائياً من زاويتين متكاملتين:

  1. رمزياً، كونه أول مدير عام لليونسكو عربي وثاني إفريقي بعد السنغالي أمادو محتار مبو (1974-1987). وسيتسلم رسمياً مهماته في الـ 14 من نوفمبر/تشرين الثاني، خلفا للفرنسية أودري أزولاي التي تولت المنصب منذ العام 2017، بما يعيد الاعتبار إلى دور الجنوب العالمي في قيادة مؤسسات الفكر والمعرفة الدولية.
  2. سياسياً، لأنه يأتي في لحظة مراجعة ذاتية تمرّ بها اليونسكو بعد سنوات من الأزمات البنيوية والاتهامات بالتسييس وفقدان الحياد المعرفي، نتيجة صراعات القوى الكبرى داخلها، لا سيما عقب انسحاب (إسرائيل) عام 2017، حيث شهدت السنة الجارية انسحابين، أحدهما أعلنته نيكاراغوا في مايو/أيار بعد مَنح جائزة لصحيفة معارضة فيها، والآخر، وهو الأبرز، أعلنته الولايات المتحدة رسميا في يوليو/تموز، إذ اتهمت إدارة ترمب المنظمة بالتحيز ضد (إسرائيل)، والترويج "لقضايا اجتماعية وثقافية مثيرة للانقسام"، وتأييد "خريطة طريق أيديولوجية تؤمن بالعالمية" المتعارضة مع سياستها القائمة على مفهوم "أميركا أولاً".

ويحرم انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو جزءاً كبيراً من مواردها المالية، إذ توفّر واشنطن 8 في المئة من إجمالي موازنة المنظمة.

ووعد العناني بالعمل على إعادة الولايات المتحدة إلى المنظمة، وهو ما نجحت أودري أزولاي في تحقيقه عام 2023، بعد ست سنوات من قرار ترمب الأول سحب بلده منها.

وقال: "أريد أن أُبيّن أن لليونسكو تأثيرا ملموساً على حياة الناس. فاليونسكو لا تُعنى فقط بالتراث الثقافي، بل تُعنى أيضاً بالتعليم في مناطق الطوارئ، وحماية الصحافيين وحريتهم، ومكانة المرأة في العلوم".

من هنا، فإن انتخاب مرشح مصري إفريقي - عربي يمكن قراءته بوصفه رغبة جماعية من الدول الأعضاء في استعادة روح «العالمية المتعددة» التي تأسست عليها اليونسكو عام 1945، بعد أن انحرفت في مراحل لاحقة نحو المركزية الغربية في إنتاج الخطاب الثقافي والتربوي.

ثانياً: قراءة في المسار الدبلوماسي المصري

لم يكن الفوز المصري نتاج تصويت عابر، بل حصيلة استراتيجية دبلوماسية تراكمية امتدت على مدى عامين. فقد أحسنت القاهرة توظيف خبرتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف، وربطت بين أطر العمل العربي والإفريقي، لتحويل الترشيح الفردي إلى ترشيح جماعي توافقي باسم القارة الإفريقية والعالم العربي.

فمنذ إعلان الترشيح عام 2023، نجحت مصر في حشد دعم الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، واستصدرت قرارات قارية متتالية تؤكد أحقية مرشحها. كما أطلقت حملة مهنية منسقة اعتمدت على أدوات القوة الناعمة المصرية، وعلى تاريخها الثقافي الممتد وعلاقاتها مع الدول الأعضاء في المجلس التنفيذي.

ويكشف المسار التفاوضي الذي قادته وزارة الخارجية، من خلال الوزير بدر عبدالعاطي والسلك الدبلوماسي المصري في باريس، عن نمط جديد من الدبلوماسية الثقافية المصرية، يقوم على تحويل الإرث الحضاري إلى رصيد تفاوضي، بحيث تصبح الثقافة - لا الاقتصاد أو الأمن- أداة التأثير الأساسية في السياسة الخارجية.

ثالثاً: الخلفية الفكرية والوظيفية للعناني

يمثل الدكتور خالد العناني نموذجاً للجسر بين المعرفة الأكاديمية والإدارة الثقافية. فهو عالم مصريات درس في الجامعات الفرنسية، وتولى إدارة ملفات التراث والمتاحف في مصر، قبل أن يقود وزارتي الآثار والسياحة بين 2016 و2022. وقد استطاع خلال تلك المرحلة أن يربط بين صون التراث والتنمية السياحية المستدامة، في رؤية تتقاطع مع فلسفة اليونسكو القائمة على الدمج بين الثقافة والتنمية البشرية.

وتُظهر سيرته العلمية انفتاحاً على التعدد الحضاري، وتكويناً فرنكفونياً يعزز قدرته على إدارة الحوار داخل مؤسسة ذات طابع دولي معقّد. لذا يمكن القول إن اختياره يعبر عن توجه نحو قيادة تكنوقراطية ثقافية تتجاوز البعد السياسي الضيق إلى مشروع معرفي عالمي.

رابعاً: التحديات البنيوية في المرحلة المقبلة

تواجه إدارة العناني مجموعة من التحديات المتشابكة، أبرزها:

  1. إعادة التمويل والاستدامة: بعد انسحاب الولايات المتحدة (التي كانت تساهم بنحو 8% من الميزانية) وتراجع المساهمات الأوروبية، تبدو المنظمة في حاجة إلى هندسة مالية جديدة. وقد أعلن العناني عزمه على تنويع مصادر التمويل عبر نظام «مبادلة الديون» والشراكات مع القطاع الخاص، وهو اتجاه يثير نقاشاً حول توازن العلاقة بين الاستقلالية الثقافية ومتطلبات السوق.
  2. إعادة الشرعية والحياد المعرفي: تعاني اليونسكو منذ سنوات أزمة شرعية ناجمة عن اتهامات بالتسييس والانحياز، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالتراث الفلسطيني أو بحر الصين الجنوبي. ومن ثمّ، فإن اختبار العناني الحقيقي سيكون في قدرته على استعادة حياد المنظمة وإقناع الأعضاء المختلفين بأنها مظلة جامعة للثقافات لا ساحة للصراعات.
  3. تحديث الوظيفة المعرفية: في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية، تتراجع الأدوار التقليدية للمنظمات الأممية لصالح المبادرات التقنية والشبكية. ومن المتوقع أن يعمل المدير العام الجديد على إدماج العلوم الرقمية في التعليم والثقافة، وجعل المنظمة شريكاً فاعلاً في صياغة أخلاقيات التكنولوجيا.

خامساً: البعد العربي والإفريقي في معادلة القيادة

يُعيد انتخاب عربي وإفريقي إلى رأس المنظمة طرح سؤال العدالة المعرفية بين الشمال والجنوب. فاليونسكو لطالما مثّلت ساحة للصراع الرمزي بين رؤى «الكونية الغربية» و«التعددية الحضارية». ومن هنا، يمكن النظر إلى الحدث بوصفه خطوة نحو إعادة توزيع السلطة المعرفية داخل النظام الدولي، وإعطاء صوت أكبر لمجتمعات العالم النامي التي طالما كانت موضوعاً للسياسات الثقافية لا شريكاً في صياغتها.

كما يكتسب الحدث أهمية خاصة للعالم العربي، إذ يعيد إليه موقعه التاريخي في إنتاج المعرفة والحضارة، بعد سنوات من التراجع في الحضور المؤسسي الأممي. ويتيح وجود قيادة عربية فرصة لطرح قضايا التعليم والثقافة واللغة والتراث العربي على جدول أعمال المنظمة بعمق أكبر، دون أن يعني ذلك تسييسها، بل إدماجها ضمن رؤية إنسانية شاملة.

سادساً: الدلالة الاستراتيجية للدبلوماسية الثقافية المصرية

يؤشر هذا الفوز إلى تحوّل نوعي في الهوية الوظيفية للدبلوماسية المصرية، من دبلوماسية أمنية – سياسية تقليدية إلى دبلوماسية قِيَمية ثقافية، تستثمر في الرأسمال الرمزي للحضارة المصرية. فبعد عقود من انكفاء الدور العربي في المؤسسات الدولية، تأتي رئاسة العناني لتعلن عودة مصر كفاعل ثقافي عالمي، قادر على صياغة أجندة أممية تتجاوز الجغرافيا والسياسة.

ويمكن اعتبار هذا التتويج تتويجاً لمسار ثلاثي المحاولات السابقة (إسماعيل سراج الدين 1999، فاروق حسني 2009، ومشيرة خطاب 2017،)، ليكشف أن الإصرار المصري على التواجد في مراكز القيادة الثقافية لم يكن طموحاً عابراً، بل مشروعاً استراتيجياً متدرجاً.

تفتح رئاسة الدكتور خالد العناني لليونسكو مرحلة جديدة في تاريخ المنظمة وفي مسار العلاقات الثقافية الدولية. فهي ليست مجرد إنجاز شخصي أو وطني، بل تحوّل بنيوي في توزيع القيادة داخل منظومة الأمم المتحدة. وفي عالم يميل إلى الاستقطاب السياسي والتشظي المعرفي، يمثل صعود عربي – إفريقي إلى رأس أكبر مؤسسة ثقافية أممية إشارة إلى أن الجنوب العالمي لم يعد مجرد متلقٍ للثقافة، بل أصبح شريكاً في إنتاجها وتوجيهها.

من هنا، فإن رئاسة العناني لا تُقاس فقط بالسنوات المقبلة من إدارته، بل بما قد تُحدثه من تراكم في بنية الوعي العالمي بضرورة إعادة بناء العدالة الثقافية، وإرساء نظام دولي للمعرفة أكثر توازناً وإنصافاً للإنسانية جمعاء.