ترامب وتآكل النظام الاقتصادي العالمي
كتبت: شبكة استشراف الدولية
شهد العالم أعمق ركودين اقتصاديين عالميين منذ عام 1960 في عامي 2009 و2020. غير أن التعافي من الركود الأخير كان الأقوى على الإطلاق: ففي غضون خمس سنوات، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي للفرد بنسبة 10 في المئة فوق مستواه في عام 2019. وكان التعافي في الاقتصادات مرتفعة الدخل أسرع مما كان عليه بعد فترات الركود السابقة. ورغم أن تعافي اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية كان أسرع من تعافي الاقتصادات مرتفعة الدخل، فإنه كان أبطأ بكثير مما كان عليه في الفترة 2010–2014 (انظر الرسوم البيانية).
وما يثير القلق أكثر أن عددًا كبيرًا من البلدان النامية الفردية حقق أداءً ضعيفًا جدًا في الفترة الأحدث: فبحلول عام 2025، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للفرد مستواه في عام 2019 في نحو 90 في المئة من الاقتصادات مرتفعة الدخل؛ في المقابل، ظل أدنى من مستواه في 2019 في أكثر من ربع اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية، وفي 40 في المئة من البلدان منخفضة الدخل. والأسوأ من ذلك أن تراجع نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع في أفقر البلدان قد توقّف خلال العقد الماضي. وكان ينبغي لهذا الأمر أن يهمّ صناع السياسات في كل أنحاء العالم، إذ إن الانخفاض الهائل في نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع كان مكسبًا تاريخيًا كبيرًا.
لكن من الذي يهتم بذلك في عالم اليوم الأكثر افتراسًا ووضوحًا في أنانيته؟ على الأرجح ليس كثيرون من أولئك الذين يجتمعون في دافوس. لذلك، دعونا ننتقل إلى ما يهمّهم فعلًا: الآفاق الاقتصادية العالمية في عالم يخضع لأهواء طاغية مختلّ. (نعم: رغبته في امتلاك غرينلاند ضربٌ من الجنون، وفرضه للضرائب وفق نزواته تصرّف استبدادي). إن أحدث تقرير لـ«آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي مطمئن؛ إذ يقول إن «النمو العالمي يُتوقّع أن يظل متماسكًا عند 3.3 في المئة في عام 2026 و3.2 في المئة في عام 2027، وهي معدلات مماثلة للنتيجة المقدّرة لعام 2025 البالغة 3.3 في المئة». ويمثل هذا التوقع مراجعة صعودية طفيفة لعام 2026 وعدم تغيير لعام 2027 مقارنة بتوقعات أكتوبر 2025. وبصورة عامة، فقد عوّضت السياسات النقدية والمالية التيسيرية، وازدهار أسواق الأسهم، وحمى التفاؤل بالذكاء الاصطناعي، كلاً من حالة عدم اليقين التي تسبب بها ترامب والأثر السلبي للتعريفات الجمركية، التي كانت في حد ذاتها أقل عدوانية بكثير مما أُعلن عنه في «يوم التحرير» في أبريل الماضي.
فهل يكون عصر ترامب، رغم كل هذا الضجيج، «حكاية يرويها أحمق، مليئة بالصخب والعنف، ولا تعني شيئًا»، على الأقل من الناحية الاقتصادية؟ لقد تعلّم أنه لا يستطيع التنمّر على الصين. وهو يعتقد أنه يستطيع التنمّر على الجميع، ولا شيء حتى الآن يشير إلى أنه مخطئ. وتبدو كلفة مغامراته في فنزويلا وغيرها من المغامرات المماثلة محدودة. وبالمحصلة، قد يكون الجانب الإيجابي محدودًا، لكن الجانب السلبي قد يكون محدودًا أيضًا: نباحه أشد من عضّته. غير أن تقديري أن هذا الاطمئنان في غير محلّه. فما نشهده هو محوٌ بطيء، على طريقة «الحركة البطيئة»، لأنظمة التشغيل التي يقوم عليها النظامان الاقتصادي والسياسي العالميان.
وهكذا، ومع كون الولايات المتحدة لم تعد قابلة للتنبؤ ولا ملتزمة بأي مبادئ أساسية في سلوكها، باستثناء تحقيق بعض المكاسب القصيرة الأجل، فإن مصداقيتها كشريك وحليف يمكن الاعتماد عليه تتعرض للتدمير، وربما بشكل دائم. وعلى الصعيد الداخلي، باتت سيادة القانون، والاستقرار المالي، واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي (وبالتالي الاستقرارين النقدي والمالي)، والالتزام بالعلم، جميعها موضع تساؤل. أما دوليًا، فالولايات المتحدة تشن حربًا على معظم المؤسسات الكبرى ذات الشأن، ولا سيما الاتحاد الأوروبي. وقد جرى جعل منظمة التجارة العالمية بلا جدوى. كما تلاشى التعاون في مجالي المناخ والصحة. وبالمجمل، أعلنت الإدارة قرارها الانسحاب من ما مجموعه 66 منظمة دولية، من بينها 31 كيانًا تابعًا للأمم المتحدة.
ومن الممكن أن حتى مثل هذه البيئة غير التعاونية وغير المستقرة لن تُضعف رغبة الشركات وصنّاع السياسات في المراهنة الكبيرة على المستقبل. انظروا إلى طفرة الذكاء الاصطناعي. لكن هذا الافتراض محل شك. فقد لا تظهر التكاليف سريعًا أو حتى بشكل واضح. ومع ذلك، نعلم أن السياسات الشعبوية تُضعف الأداء الاقتصادي الداخلي. ومن المؤكد أن الأمر نفسه سيكون صحيحًا عندما يكون النظام المعني قوة عظمى عالمية. غير أن الضرر في هذه الحالة سيطال الاقتصاد العالمي أيضًا، إذ سنفقد عددًا كبيرًا من السلع العامة العالمية. وقد تشمل الخسائر المحتملة الدورين العالميين للدولار والنظام المالي الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، كما يعلّمنا التعافي من الجائحة، يتمتع الاقتصاد العالمي بزخم كبير: فقد نما، في نهاية المطاف، نموًا ملموسًا في كل عام منذ عام 1950. وتأتي الابتكارات المهمة تباعًا، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في أماكن أخرى أيضًا. وقد قال آدم سميث قولته الشهيرة إن «هناك قدرًا كبيرًا من الخراب يمكن أن تتحمله أمة». وكان محقًا. لكن سيكون من المشوّه أخلاقيًا اختبار هذا التفاؤل إلى حدّ التدمير، سواء للولايات المتحدة أو للعالم بأسره.
