حميدة صالح بوحقيفة

خطاب ترامب تجاه ليبيا: شعبوية سياسية على حساب الحقيقة التاريخية

آراء حرة - حميدة صالح بوحقيفة
حميدة صالح بوحقيفة
باحثة سياسية وأكاديمية ليبية

عند النظر إلى هذه تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة بشأن ليبيا من خلال لغة تجمع بين الواقعية السياسية والحس الإنساني بعيداً عن القوالب الدبلوماسية الجافة، نجد أن هذا الوصف لا يعبر عن حقيقة ليبيا ولا عن وزنها الحضاري والإنساني، بل يعكس عقدة استعلاء سياسي وسلوكاً شعبوياً يتعامل مع أزمات الشعوب بسطحية وفجاجة. ​يمكن تفكيك هذا الخطاب عبر بُعدين أساسيين:

أولا. البُعد الإنساني الأخلاقي

إن اختزال بلد ضارب في التاريخ مثل ليبيا—بثرائها الثقافي، وموقعها، ومعاناة شعبها الصابر تحت وطأة سنوات طويلة من الحرب والتشتت—في لفظ مهين، هو تعدٍّ على كرامة وطن كامل.

المشهد الإنساني هنا يحمل مفارقة مؤلمة؛ الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر للصراعات، ثم يُعاد إدانتها وتحميلها ذنب الفوضى التي كان للقوى الخارجية والإقليمية يد طولى في إشعالها وتغذيتها. ​ثانياً: البُعد السياسي والواقعي (Realpolitik) من الناحية السياسية المجردة، يُترجم هذا الخطاب عبر ثلاثة محركات: ​المسرحية الانتخابية واستفزاز المشاعر: يتحدث ترامب بلسان «السياسي الاستثماري» لا رجل الدولة؛ فهو يعلم أن استخدام الألفاظ الصادمة يمنحه تغطية إعلامية مجانية، ويثير حماس قاعدته الانتخابية من خلال إظهار نفسه كقائد صارم لا يعبأ بالقواعد الدبلوماسية المعقدة عندما يتعلق الأمر بالحدود والهجرة.

ثانيا. ​التنصل من المسؤولية التاريخية

إطلاق وصف السوء على دولة يعاني نظامها من التفكك يُراد منه إيحاءٌ بأن الفوضى نتيجة تخلّف محلي ذاتي، مع تجاهل تام للتدخل العسكري الخارجي عام 2011 وما تلاه من تجاذبات دولية وصراعات نفوذ على النفط والموقع الجغرافي، والتي أسهمت بشكل مباشر في إبقاء البلاد حالة من عدم الاستقرار. ​المنظور النفعي الصرف: في الفلسفة السياسية الخاصة بترامب، تُقاس الدول بميزان الصفقات والربح والخسارة.

الدولة التي تعاني انقساماً مؤسسياً ولا تقدم عائداً استثمارياً أو أمنياً مباشراً للولايات المتحدة يُنظر إليها كـ «عبء أمني» ومصدر للتهديدات، بدلاً من التعامل معها كدولة ذات سيادة تمر بأزمة كبرى تستوجب الحل والدعم. ​هذا النوع من التصريحات يكشف الكثير عن أزمة الخطاب السياسي المعاصر في الغرب وافتقاره للحساسية الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية، بينما لا يعكس بأي حال من الأحوال حقيقة ليبيا أو قيمة إنسانها المحاصر بين فكّي الأزمات الداخلية والاستعلاء الخارجي.