تحول استراتيجي في اليمن: ما الذي تغيّر بعد حضرموت؟
لم تكن التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة خلال الأسابيع الأخيرة مجرد تحرك عسكري عابر في سياق الحرب اليمنية، بل شكّلت لحظة كاشفة أعادت رسم ملامح الصراع وحدود القوى الفاعلة فيه. ففي بلد اعتاد على إدارة أزماته عبر توازنات هشة وتسويات مؤقتة، جاءت هذه الأحداث لتطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان اليمن يشهد بداية تحول فعلي في مسار الدولة، أم مجرد جولة أخرى من الصراع بأدوات مختلفة.
تعود جذور المشهد السياسي والعسكري في جنوب اليمن إلى ما بعد اندلاع الحرب عام 2015، حين أدّى تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية إلى استعادة مدن جنوبية رئيسية من سيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها عدن. غير أن مرحلة ما بعد “التحرير” شهدت تشكّل قوى محلية مسلحة خارج الإطار المؤسسي للدولة، مستفيدة من الفراغ الأمني وضعف الحكومة المركزية. وفي هذا السياق، برز المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه عام 2017 كأبرز كيان سياسي–عسكري في الجنوب، رافعًا شعار “القضية الجنوبية” ومطالبًا باستعادة دولة جنوب اليمن السابقة.
استند صعود المجلس الانتقالي الجنوبي إلى دعم عسكري وسياسي خارجي، مكّنه من بسط نفوذه على عدن وأجزاء واسعة من محافظات الجنوب، وفرض نفسه لاعبًا رئيسيًا في المعادلة اليمنية. وقد تُوّج هذا المسار باتفاق الرياض عام 2019، الذي أدمج المجلس شكليًا ضمن الحكومة المعترف بها دوليًا، من خلال إشراكه في السلطة التنفيذية ومجلس القيادة الرئاسي لاحقًا، من دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري أو تفكيك التشكيلات المسلحة الموازية.
في المقابل، ظلت محافظتا حضرموت والمهرة خارج نطاق السيطرة المباشرة للمجلس الانتقالي، محتفظتين بخصوصية سياسية واجتماعية وأمنية مختلفة عن عدن وبقية المحافظات الجنوبية. فحضرموت، أكبر محافظات اليمن مساحة وأكثرها ثقلًا سكانيًا واقتصاديًا، تتمتع بتاريخ من الحكم المحلي والنزعات الاستقلالية المعتدلة، كما تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا لليمن من خلال مواردها النفطية ومنافذها البحرية. أما المهرة، فتكتسب أهمية استراتيجية مضاعفة بحكم موقعها الجغرافي وحدودها الطويلة مع سلطنة عُمان، وطبيعتها القبلية المتداخلة مع الجوار.
منذ عام 2017، حرصت السعودية على الحفاظ على نفوذ مباشر في حضرموت والمهرة، عبر دعم قوات محلية موالية للحكومة المركزية، ونشر وحدات عسكرية ضمن إطار التحالف، بهدف تأمين الحدود ومنع تحوّل شرق اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة أو ممر لنفوذ إقليمي غير منضبط. وقد شكّل هذا الوجود عامل توازن حال دون تمدد الفصائل المسلحة الجنوبية، ورسّخ حساسية الرياض تجاه أي تحركات عسكرية مفاجئة في هذه المناطق.
تزامن ذلك مع تحولات أوسع في المقاربة السعودية للملف اليمني خلال الأعوام الأخيرة، حيث انتقلت الرياض تدريجيًا من التركيز الحصري على المواجهة العسكرية مع الحوثيين إلى إعطاء أولوية للاستقرار الإقليمي، وأمن الحدود، وتقليص ساحات الصراع غير المنضبطة. كما باتت السعودية أكثر تحفظًا تجاه سياسات إدارة النفوذ عبر الفصائل المحلية المسلحة، خصوصًا عندما تؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة أو خلق مراكز قوة موازية يصعب احتواؤها لاحقًا.
في هذا السياق، جاء تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر باتجاه حضرموت والمهرة ليشكّل قطيعة مع التوازنات القائمة منذ سنوات. فقد انتقل المجلس من ترسيخ نفوذه في نطاق جنوبي تقليدي إلى محاولة فرض سيطرة في مناطق ذات أبعاد إقليمية مباشرة، ما أعاد تعريف التحرك بوصفه مسألة أمن قومي إقليمي، لا مجرد خلاف داخلي يمني. وقد مثّل هذا العامل الخلفية الأساسية التي أفضت إلى الرد السريع والحاسم من قبل السعودية والحكومة اليمنية.
وفي ضوء هذا السياق، يتضح أن تحرك المجلس الانتقالي يمثل لحظةً مفصلية في مسار الصراع اليمني، تتجاوز كونها انتكاسة عسكرية محدودة إلى كونها مؤشرًا على تحول أعمق في موازين القوى السياسية والإقليمية المحيطة بالملف اليمني. فقد كشفت سرعة انهيار السيطرة التي سعى المجلس إلى فرضها عن هشاشة مشروع الأمر الواقع عندما يصطدم بمصالح أمنية إقليمية مباشرة، ولا سيما تلك المتعلقة بالمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان. ويشير هذا التطور إلى نهاية مرحلة التسامح مع الترتيبات غير الرسمية التي أضعفت الدولة اليمنية، وبداية مقاربة أكثر صرامة تجاه وحدة البلاد واستقرارها.
يأتي تحرك المجلس الانتقالي في سياق تراكم نفوذ عسكري وسياسي منذ عام 2017، مستندًا إلى دعم خارجي مكّنه من بسط سيطرته على عدن وأجزاء واسعة من الجنوب. غير أن التمدد نحو حضرموت والمهرة مثّل انتقالًا نوعيًا من صراع داخلي جنوبي إلى محاولة فرض واقع جديد في مناطق ذات حساسية استراتيجية عالية، تشكّل عمقًا جغرافيًا وأمنيًا لجيران اليمن. غير أن هذا التحول في مسرح العمليات قد عكس سوء تقدير لطبيعة الخطوط الحمراء الإقليمية، وأدى إلى استدعاء رد فعل سعودي غير مسبوق من حيث السرعة والحسم والوضوح السياسي.
التدخل السعودي أظهر أن الرياض أعادت تعريف أولوياتها في اليمن، متجاوزة دور الوسيط بين أطراف "الشرعية" إلى دور الضامن لحدود الدولة اليمنية ووحدة قرارها السيادي. فبدل إدارة التناقضات الداخلية عبر التسويات المؤقتة، اختارت هذه المرة فرض مسار تصحيحي حاسم، دعم الحكومة المركزية سياسيًا وعسكريًا، وأعاد لها القدرة على بسط السيطرة على مناطق استراتيجية خلال فترة زمنية قصيرة. ويعكس هذا التحول تغيرًا في التفكير الاستراتيجي السعودي، قوامه رفض عسكرة المناطق الحدودية، وعدم السماح لأي فاعل محلي أو إقليمي بفرض وقائع تمس الأمن القومي للمملكة.
أما داخليًا، فقد أسفر هذا التطور عن إعادة ترتيب في المشهد اليمني، إذ عزَّز موقع الحكومة المركزية ومجلس القيادة الرئاسي بعد سنوات من التآكل والتهميش. كما كشف محدودية قدرة المجلس الانتقالي على تمثيل الجنوب ككتلةٍ واحدة، وأبرز التباينات الجغرافية والسياسية داخل المناطق الجنوبية، ولا سيما في حضرموت التي تمتلك خصوصية تاريخية واجتماعية مختلفة، وتطالب بنصيب أكبر من الحكم المحلي والتمثيل العادل بعيدًا عن هيمنة عدن أو المشاريع الانفصالية الصلبة.
وفي الوقت نفسه، أحدثت الهزيمة السريعة للمجلس الانتقالي صدمة داخل بنيته السياسية والعسكرية، وفتحت الباب أمام مراجعات داخلية قد تقود إما إلى إعادة التموضع ضمن إطار الدولة اليمنية، أو إلى انقسامات داخلية تُضعف قدرته على لعب دور موحد في المرحلة المقبلة. وعلى ذلك، يُرجح أن يتجه المجلس في المدى القريب إلى أدوات الضغط السياسي والإعلامي بدل المواجهة العسكرية، في محاولة للحفاظ على مكاسب محدودة دون تحدي مباشر للإرادة الإقليمية الجديدة.
إقليميًا، لا يمكن فصل ما جرى عن التحولات في العلاقة السعودية–الإماراتية. فقد أظهر الموقف السعودي رفضًا واضحًا لنموذج إدارة النفوذ عبر الوكلاء المسلحين، خاصة عندما يتجاوز نطاقه المحلي ليؤثر في التوازنات الإقليمية. كما عزَّزت الأزمة التقارب السعودي–العُماني، خصوصًا في ما يتعلق بأمن الحدود الشرقية لليمن، وأكدت وجود توافق إقليمي متزايد على أولوية الحلول التي تركز على الدولة والمؤسسات، لا على الكيانات الموازية.
وعلى المستوى الأوسع للصراع، نجد أن هذا الحدث قد أعاد فتح النقاش حول مستقبل اليمن كوحدة سياسية قابلة للحياة، فبعد سنوات من الحديث عن تفكك حتمي، أظهرت التطورات أن فرض الانقسام ليس مسارًا مضمونًا، وأن إعادة بناء سلطة مركزية – حتى بصيغة لامركزية موسعة – لا تزال خيارًا واقعيًا إذا ما توافرت الإرادة الإقليمية والدعم المؤسسي. كما يهيئ هذا التحول بيئة أكثر تماسكًا لإعادة توجيه الجهود نحو التحدي الرئيسي المتمثل في الحوثيين، بدل استنزاف الحكومة الشرعية في صراعات داخلية جانبية.
غاية القول، إن ما جرى في حضرموت والمهرة يعكس صحوةً تصحيحية سعودية مستوى المنظومة، لا مجرد تغيير مؤقت في خريطة السيطرة، بل إنها كشفت حدود قوة الوكلاء، وأعاد الاعتبار لمنطق الدولة، وأرسل رسالة إقليمية مفادها أن الاستقرار لم يعد يُدار عبر التسويات الرمادية، بل عبر قواعد واضحة وحدود صارمة. ومن شأن هذا التحول، إذا ما أُحسن استثماره سياسيًا، أن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في اليمن، أكثر قابلية للاستقرار وأقل عرضة للتفكك.
