مؤسسة غير ربحية

التحالف الاقتصادي الخفي... كيف تدفع الصين ثمن النفط الإيراني سرًا؟

تقارير وملفات - شبكة الاستشراف

قناة مالية غير رسمية تربط صادرات النفط الإيراني بمشروعات البنية التحتية الصينية رغم العقوبات الأميركية

 

تكشف معطيات مالية وتقييمات استخباراتية غربية عن منظومة مالية معقدة صاغتها الصين وإيران لتسوية أثمان النفط خارج النظام المصرفي الدولي، في ما يشبه نظام "النفط مقابل البنية التحتية"، وهو نموذج يجمع بين المقايضة الاقتصادية والاستثمار الجيوسياسي، ويمنح طهران متنفساً حيوياً تحت ضغط العقوبات الأميركية.

ووفق تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الذي أعدّه الصحافي لورنس نورمان، فإن بكين فعّلت آلية مالية موازية سمحت لها بتسديد قيمة وارداتها النفطية من إيران عبر تمويل مشروعات ضخمة داخل الأراضي الإيرانية، ما يعكس تحولاً هيكلياً في العلاقات الاقتصادية الصينية – الإيرانية، من التجارة النقدية إلى الاستثمار التعويضي.

اقتصاد الظل بين بكين وطهران

يشير مسؤولون غربيون إلى أن النظام المالي المستخدم يقوم على تصدير النفط الخام الإيراني إلى الصين بأسعار تفضيلية، مقابل تنفيذ شركات صينية حكومية مشاريع في قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية. وتُقدَّر قيمة الأموال التي دارت عبر هذه القناة خلال عام واحد بنحو 8.4 مليارات دولار، وفق تقييمات استخباراتية.

ويعتمد هذا النموذج على ركيزتين أساسيتين:

  1. شركة تأمين الصادرات والائتمان الصينية (Sinosure) – وهي الذراع الحكومية التي توفر الغطاء التأميني والتمويلي للمشاريع الصينية في الخارج.
  2. مؤسسة مالية شبه سرية تُعرف باسم (Chuxin)، تتولى إدارة التدفقات النقدية بين الشركات الصينية المنفذة في إيران وشركات النفط الإيرانية، دون المرور بالنظام المصرفي الدولي الخاضع للرقابة الأميركية.

ويصف محللون هذا النموذج بأنه "اقتصاد موازٍ للعقوبات"، يجمع بين أدوات التأمين والتمويل والمشروعات لتأمين المصالح المتبادلة خارج النظام المالي الغربي.

التبادل غير النقدي كأداة نفوذ

منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، أصبحت الصين المشتري شبه الوحيد للنفط الإيراني، إذ تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 90% من صادرات النفط الإيراني خلال عام 2024 كانت موجهة إلى السوق الصينية. ومع ارتفاع مستوى القيود الأميركية، ابتكرت بكين آليات أكثر تعقيداً لتفادي تعقب الأموال.

ويجري نقل النفط الإيراني إلى الصين عبر مسارات بحرية ملتوية تشمل عمليات تبديل الشحنات بين السفن وخلط الخام الإيراني مع نفوط آسيوية أخرى، ما يصعب تتبع مصدره الحقيقي.

وفي المقابل، تُسدد بكين أثمان النفط عبر تمويل مشروعات إنشائية طويلة الأجل داخل إيران، تشمل مطارات ومصافي نفط وطرقاً سريعة، بحيث تصبح قيمة هذه المشروعات هي المقابل المالي غير المباشر لشحنات النفط.

الدور المحوري لشركة "سينوشور"

تعمل Sinosure بوصفها الأداة التنفيذية للسياسة الاقتصادية الخارجية لبكين، إذ تجاوزت قيمة العمليات التي أمنتها حتى نهاية عام 2024 نحو 9 تريليونات دولار عالمياً، وفق بياناتها الرسمية. وفي إيران وحدها، شاركت الشركة في 16 مشروعاً موثقاً من أصل 54 مشروعاً صينياً منذ عام 2000، بحسب معهد AidData التابع لجامعة ويليام وماري الأميركية.

هذا الدور يجعل من الشركة فاعلًا استراتيجياً في هندسة الشراكات الاقتصادية عالية المخاطر، خصوصاً في دول خاضعة لعقوبات أو عزلة مالية.

المعادلة الجيواقتصادية

يمثل هذا النموذج امتداداً عملياً لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، التي تسعى لتوسيع النفوذ الاقتصادي لبكين في الدول ذات الموقع الجيوسياسي الحساس، مقابل تمويلات مرنة أو ترتيبات مقايضة. أما بالنسبة لإيران، فيوفر هذا النظام آلية شبه قانونية لتصريف النفط وتحصيل عائدات دون المرور بالقنوات الغربية.

ويرى محللون أن هذا التعاون يعكس تحالفاً اقتصادياً تحت السطح بين قوتين تسعيان إلى إعادة تشكيل النظام المالي الدولي على أسس أقل تبعية للغرب. ويعتقد أن استمرار هذا النمط سيُنتج منظومة اقتصادية موازية، تتخطى العقوبات عبر التمويل بالسلع والمشروعات بدلاً من النقد الأجنبي.

الرد الأميركي والإنكار الصيني

ورغم علم واشنطن بهذه الآلية، فإنها اكتفت حتى الآن بفرض عقوبات محدودة على كيانات صينية صغيرة. أما الشركات الكبرى مثل Sinosure وChuxin فلم تُدرج بعد على أي لوائح سوداء، نظراً لتشعب مصالحها داخل الاقتصاد العالمي.

وفي ردها على استفسارات وول ستريت جورنال، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها "غير مطلعة على مثل هذا الترتيب"، مؤكدة معارضتها للعقوبات الأحادية. في حين امتنعت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة عن التعليق.

يبدو أن نظام المقايضة البنيوية بين إيران والصين يمثل نموذجاً متطوراً للاقتصاد المقاوم للعقوبات، ويعكس إدراك الطرفين لأهمية تجاوز النظام المالي الغربي عبر أدوات تمويل موازية. وإذا استمر هذا النمط في التوسع، فقد يصبح أحد مرتكزات التحول في النظام الاقتصادي الدولي من أحادية الدولار إلى تعددية المسارات المالية.