Non-profit organization

محور (الشر)... ومحور (الشرق)

Articles by Zieb - د. ذيب القراله

إملائيًا فإن الفرق بين مصطلحي (محور الشر) و(محور الشرق) هو حرف واحد، لكن استراتيجيًا وجغرافيًا وإمكانيات وتحديات، فإن الفارق كبير في الحسابات التاريخية، والتحالفات التقليدية، والقدرات المادية والبشرية، وبالضرورة في الاصطفافات الجديدة، والتداعيات المستقبلية.

فقبل أكثر من عقدين من الزمان، وفي إطار حربها على الإرهاب، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وصف (محور الشر) على عدة دول هي: إيران وكوريا الشمالية والعراق. واليوم تتحول بوصلة العداء الغربي بقيادة واشنطن نحو (خصوم جدد) من الشرق، لدرجة أن مسؤولين غربيين كُثر يعتقدون أنهم يواجهون الآن أخطر حقبة منذ نهاية الحرب الباردة، بسبب ظهور (محور شر جديد) ضدهم، في إشارة إلى روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، مما يوحي بأن الصراع القادم هو بين القوى العظمى، وليس مع التنظيمات المتطرفة (التي صُنِع معظمها لغايات وظيفية في أروقة أجهزة الاستخبارات الغربية).

بدأت الآلة الإعلامية الأمريكية - الأوروبية الحديث مبكرًا عن خطر صعود التحديات الجديدة، المتمثلة بالتكتل الذي تقوده قوى كبرى رافضة للهيمنة الغربية وتسعى لتغيير موازين القوى الدولية، معتبرة أن التقارب المتزايد بين بكين وموسكو وطهران وبيونغ يانغ، ومعها العديد من دول الجنوب، هو نواة لـ (محور الشرق) أو (محور الاستبداد) الذي تجمعه رؤية مشتركة تقوم على المطالبة بنظام عالمي متعدد الأقطاب.

عمليًا فإنه لا وجود لأي تحالف (رسمي معلن) بين دول محور الشرق، لكن هذه الدول كثّفت التنسيق الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي فيما بينها لإضعاف النفوذ الغربي، وبلغ التنسيق ذروته بعقد قمة ثلاثية في بكين في أيلول الماضي جمعت قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وهي القمة التي اعتُبرت إيذانًا بتشكّل هذا المحور، لدرجة أن مصادر أمريكية وصفتها بأنها ميلاد (محور الاضطراب)، بعد أن أصبحت بكين أكثر جرأة في منازعة الغرب على قيادة النظام الدولي، متكئة على محور الشرق كخصم جماعي جديد يفرض نفسه على رقعة الشطرنج الدولية.

ملامح الحرب الباردة الجديدة بين المحورين (إن جازت التسمية) برزت أولًا في الميدان الاقتصادي، إذ استخدم الغرب سلاح العقوبات لعزل روسيا وإيران وكوريا الشمالية ماليًا وتجاريًا، وفرض قيودًا على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين أو منها. وفي المقابل، سعت دول المحور الشرقي إلى تفادي العقوبات عبر توسيع تجارتها البينية واستمرار تدفق الطاقة إلى حلفائها، والتوسع في خططها نحو إنشاء الممرات الدولية.

وتزامن التصعيد الاقتصادي مع تصاعد في سباق التسلح واستعراض القوة العسكرية، واستثمرت الصين بكثافة في تحديث جيشها وزيادة قدراته (خاصة في البحار والصواريخ) بهدف ردع أي تدخل غربي في مجال نفوذها الإقليمي، وفي مقدمة ذلك تايوان التي لا تستبعد بكين استخدام القوة لاستعادتها.

ومثّل اجتياح روسيا لأوكرانيا - وما زال - تحديًا صارخًا للغرب، ولوّحت موسكو مرارًا بورقة السلاح النووي لردع أي تدخل مباشر من الناتو، وكثّفت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم أوكرانيا عسكريًا واستخباراتيًا لاحتواء روسيا، و(لغاية الآن)، ورغم الضغط الأوروبي، ترفض واشنطن تزويد أوكرانيا بصواريخ (توماهوك) التي ستهدد العمق الروسي، مما يُنذر بتصعيد خطير لا يمكن التنبؤ بعواقبه، في ضوء الحشد العسكري الروسي المتزايد، واحتمال استخدام موسكو للقوة الصاروخية المفرطة للرد على هذا التهديد.

ورغم هذه التطورات الخطيرة التي تُنذر باحتمال انزلاق المواجهة إلى صدام أوسع، إلا أن معظم المحللين الاستراتيجيين يرون أن خيار الحرب المباشرة سيبقى مستبعدًا بسبب توازن الرعب النووي وكلفة المواجهة الشاملة، مرجحين أن يستمر الصراع في صورة حرب باردة طويلة الأمد، متعددة المستويات، تتمثل بتنافس اقتصادي وتكنولوجي، وحروب بالوكالة، وسباق تسلح، دون الوصول إلى حرب عالمية ثالثة.

الدول العربية تحاول أن تنأى بنفسها عن هذا الاصطفاف الجديد قدر الإمكان، وانتهجت سياسة توازن مدروسة، إذ حافظت على شراكاتها الأمنية الراسخة مع واشنطن، ووسّعت في الوقت نفسه تعاونها الاقتصادي والتقني مع بكين وموسكو. والسؤال المطروح: هل سيتم (تسكين) أزمات الشرق الأوسط في الشهور القادمة تمهيدًا لمواجهة غربية أوسع مع محور الشرق؟ وهل سيبقى هذا الصراع محصورًا في إطار (حرب باردة) جديدة، أم ينزلق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تغيّر شكل العالم، وتحالفاته، ومستقبل أجياله؟