اختبار الاستقرار السوري: تراجع العنف أم تحوّله؟
تعكس التطورات التي شهدتها سوريا في عام 2025 مشهدًا سوريًا مركّبًا تحكمه مفارقة واضحة: انخفاض ملحوظ في مستوى العنف العام، يقابله تصاعد مقلق في أنماط العنف الطائفي والمناطقي. فقد تمكّنت السلطة الانتقالية من تقليص عدد الحوادث الأمنية مقارنة بالعام السابق، في إنجاز يُحسب لها في بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب. غير أن قراءة أعمق لخريطة العنف تُظهر أن هذا التحسن لم يكن شاملًا، إذ تركزت موجات العنف الجديدة في مناطق بعينها، ما يشير إلى أن الاستقرار القائم لا يزال هشًا وغير متوازن.
استندت السلطة الجديدة إلى مقاربة أمنية تقوم على إعادة تنظيم الأجهزة العسكرية ودمج التشكيلات المسلحة ضمن هيكل قيادي موحّد، وهو ما ساهم في فرض قدر من الاستقرار في محافظات ذات ثقل سكاني وسياسي مثل حلب وإدلب وحماة والرقة. إلا أن هذا النموذج لم ينجح في البيئات الاجتماعية الأكثر حساسية، ولا سيما في مناطق الأقليات، حيث قوبلت الترتيبات الأمنية الجديدة بالرفض. في السويداء والساحل السوري، تحولت هذه الاعتراضات إلى مواجهات دامية اتخذ بعضها طابعًا طائفيًا حادًا، كاشفة عن محدودية قدرة الدولة الانتقالية على ضبط الفصائل المحسوبة عليها وفرض احتكارها لاستخدام القوة، الأمر الذي أضعف سرديتها حول بسط النظام والاستقرار.
في موازاة ذلك، ورغم تراجع النشاط العسكري لتنظيم الدولة الإسلامية خلال العام، لم يختفِ التهديد الذي يمثله. فقد حافظ التنظيم على حضور مرن في البادية السورية وشمال شرق البلاد، مستهدفًا نقاط ضعف قائمة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. الأخطر من العمليات العسكرية نفسها هو اعتماد التنظيم على استغلال الثغرات الإدارية وسوء إدارة مراكز الاحتجاز والمخيمات، ما يجعل خطره مرتبطًا بضعف الحوكمة المحلية بقدر ارتباطه بالقدرات القتالية. وأي تراجع في التنسيق الأمني بين دمشق و”قسد”، أو انسحاب أميركي محتمل، قد يفتح الباب أمام عودة هجمات نوعية عالية التأثير.
ولا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن العامل الخارجي، إذ لا تزال سوريا ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. فقد واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات جوية وتوغلات عسكرية، لا سيما في الجنوب والجولان، متجاوزة عمليًا التفاهمات القائمة منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي الشمال، كثفت تركيا ضغوطها العسكرية على مناطق سيطرة “قسد”، بالتوازي مع ترتيبات ميدانية تخدم أولوياتها الأمنية. هذه التدخلات لا تنتقص فقط من سيادة الدولة السورية الناشئة، بل تعمّق الانقسامات الداخلية وتشجع الفاعلين المحليين على البحث عن مظلات حماية خارجية.
في المقابل، يشير المسار الدبلوماسي إلى تحولات مهمة في موقع سوريا على الساحة الدولية، من إزالة أسماء قيادية من قوائم الإرهاب، إلى تنامي التعاون الأمني مع الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وصولًا إلى الحديث عن دعم اقتصادي محتمل من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات مالية دولية. غير أن هذا الانفتاح يحمل في طياته مخاطر لا تقل عن فرصه، إذ إن تدفق الموارد في ظل غياب الشفافية والمساءلة قد يعزز شبكات النفوذ والمحسوبية بدل أن يدعم بناء مؤسسات فاعلة، ما قد يولد تنافسًا جديدًا بين النخب المحلية.
يبقى التحدي الأخطر متمثلًا في ملف العنف الطائفي غير المعالج. فغياب المساءلة عن الانتهاكات التي طالت مدنيين من الدروز والعلويين، ومحاولات التقليل من بعدها الطائفي، أسهما في تآكل الثقة بالسلطة الانتقالية. ومع غياب مسارات جدية للمصالحة، تبرز سيناريوهات مقلقة، من بينها تشكل مجموعات مسلحة للدفاع الذاتي، أو ازدياد الارتهان للدعم الخارجي، أو تصاعد المطالب بالحكم الذاتي، وهي جميعها مسارات تهدد وحدة الدولة واستقرارها على المدى المتوسط.
خلاصة القول إن الهدوء النسبي الذي تشهده بعض المناطق لا يعني بالضرورة أن سوريا باتت أكثر أمانًا. فالاستقرار الحالي ذو طابع إداري وأمني مؤقت، ولا يستند إلى عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الصراع. من هنا، يبدو عام 2026 مفصليًا: إما أن تنجح السلطة الانتقالية في تحويل التهدئة إلى استقرار مستدام عبر إصلاح أمني عميق، ومصالحة مجتمعية حقيقية، وحوكمة شفافة؛ أو أن تنكشف الهشاشة الكامنة، ويعود العنف بصورة أكثر تعقيدًا وخطورة.
